16‏/03‏/2019

رسالة إلى أخت أصابها الاكتئاب بسبب أحداث (نيوزيلاندا)!


المستقبل لهذا الدين!

الحمد لله وحده وأصلي وأسلم على من لا نبي بعده ،،،

أما بعدُ:

فإن للهِ -عزَّ وجلَّ- سننًا شرعية وكونية في هذه الحياة، لا يستطيع أحد من الخلق أن يتخطَّاها ولا أن يتجاوزها إلا أن يشاء الله، ولمَّا كان من حكمة الله البالغة في هذا الخلق إرسال الرسل وإنزال الكتب، كان لا بُد وأن يضع الناس في امتحان واختبار يظهر فيه أهل الإيمان والتقوى من أهل الكفر والنفاق كما تظهر الشمس في رائعة النهار لا يحول بينها وبين الناس شيء!

 ولمَّا كان الناس متغايرين تُجاه الدين والشرائع فمنهم المؤمن ومنهم الكافر كان للشيطان قدم السبق والقدح المُعلَّى في تحريض أهل الكفر والضلالة على أهل الإيمان والهداية؛ فوقع الخبيث بين الناس بالإضلال وتزيين الاعتداء على الأبرياء والآمنين، إرواءً لغليل أتباعه من أهل الضلالة!

لقد فُجع المسلمون والعالم بخبر الحادث الإرهابي الوحشي الذي وقع على المصلين في مسجدين من مساجد المسلمين في بلاد (نيوزيلاندا) حيث انطلق كلب مسعور يتقاطر من أنيابه لعاب الحقد والغل على الإسلام وأهله، مشهرًا سلاح الغدر والجبن على فئة آمنة ليس معها ما تدافع به عن أنفسها ولا ما تدفعُ به الموت عن أرواحها!

كانوا في بيت من بيوت الله يجأرون إلى الله بالدعاء أن يسهل أمورهم وأن يهوِّن عليهم غربتهم وُبعدهم عن أوطانهم، تجمعهم أخوَّة الإسلام لا يكترثون للون ولا عِرق ولا جنس ولا انتماء إلا انتماءهم إلى هذا الدين العظيم!

لن أصف في هذه العُجالة الحادث الذي راح ضحيته خمسون شهيدًا -كذا نحتسبهم على الله- وعشرات المُصابين، ولن أخوض في بيان خُلَلِ الكُفر وأهله، ولن أبيِّن ما تنضوي عليه المدنية الأوربيَّة من كذب وغش وحقد أسود على أمة الإسلام، فإن هذا مما لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح في عنزان كما يقال؛ بيد أنني سأورد بعض العبارات التي فيها تسلية لهذه الأخت التي أصابها الاكتئاب مما حلَّ بإخواننا في هذه الحادثة المُخزية في جبين أوربَّة والتي تُضم إلى سجل خزاياها منذ سقوط الأندلس إلى يوم الناس هذا!

 فلها عندي (بُشرى)، وسأُبرق لها في هذه العُجالة (ومضة)؛ فأقول وبالله وحده أستعين:

(البُشرى)!

عن تميم بن أوس الداريِّ -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

"ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، إلا أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذلًّا يُذِلُّ الله به الكفر"!

رواه أحمد وغيره، وصحَّحه الحاكم والعلامة الألباني رحم الله الجميع.

نعم! هذا قول الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: "ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار"! يعني هذا الدين الذي هو الإسلام، وهذا الحديث من أعظم المُبشرات النبوية الكريمة وفيه تسلية لأهل الإسلام والإيمان بأن الله ناصرهم ولو بعد حين، كيف لا وهو الذي يخبرنا في غير ما موضع من كتابه العزيز -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- عن ما في صدور القوم من أهل الكفر بأنواعهم، ويُظهره لنا كحقيقة واضحة لا يشوبها شائبة شك ولا ريبة، فيقول -عزَّ مِن قائل- عن ما في صدورهم وما يُخططون له بالليل والنهار فاضحًا إيَّاهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 32]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8]!

إذن! هذا مُرادهم وديدنهم زيَّنه لهم شيطانهم وغرورهم في الأرض، يريدون أن يطفئوا الإسلام، ويريدون أن يهلك محمد وأصحابه، وأن لا يعبدوا الله بالإسلام في الأرض!



قال أبو موسى غفر الله له ولوالديه:

لم يزل أهل الكفر منذ فجر التاريخ يُغذُّون هذه العقيدة في قلوبهم وقلوب أتباعهم، فيحملون هذه الإرادة كابرًا عن كابر، ويرضعونها الأجيال تلو الأجيال، ليطمسوا نور التوحيد في الأرض وليقضوا على أعظم رسالة عرفتها البشرية من لدن آدم إلى يوم القيامة، ولكن أين الغابرون منهم وأين هي إرادتهم وأين هو دين الله الغالب؟!

 إن الله -عزَّ وجل- كفانا مُؤنة هذه العقيدة الخبيثة التي في صدور القوم وتعهَّد عهدًا لا يُخلفه بإفشال هذا المخطط الرهيب فقال -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ  نُورَهُ﴾؛ "لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والذي أنزله؛ جميعُ نواصي العباد بيده، وقد تكفل بحفظه من كل من يريده بسوء، ولهذا قال: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئا"! [تيسير الكريم الرحمن للسعدي].

الله أكبر!

فليطمئن أهل الإسلام وليفرحوا بهذه البُشرى الإلهية العظيمة وبهذه الرعاية الربَّانية الكريمة!

قال الله -سبحانه تعالى-: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (*) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (*)﴾ [التوبة: 32- 33].

وقال -تبارك وتعالى-: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (*) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (*)﴾ [الصف: 8 - 9].



(الوَمْضَة)!

لا بُدَّ من التمحيص للمسلمين ولا بد وأن يتخذ الله منهم شُهداء، وحالنا اليوم حال بعيد عن تحقيق البشارة النبوية والوعد الإلهي، لأننا ركنَّا إلى الدنيا وتخلينا عن السنن النبوية الهادية إلى سواء السبيل، ولن يتغير هذا الحال للمسلمين اليوم إلا بالرجوع إلى مَعينهم الأول الصافي فينهلون منه ويتضلَّعون به ليكون زادهم لهذا المستقبل المنشود والذي لا شكَّ آتٍ ولا محالة واقعٌ، فهذه الشجرة الطيبة -أعني الإسلام- يصيبها الضعف وتصيبها الأمراض وتتساقط أوراقها غير أنها لا تذوي ولا تموت أبدًا بإذن ربها؛ فهي دين الله وخاتمة رسالاته، والمُسلمون اليوم كرجل أهمل شجرته التي فيها عِزُّه، فما التفت إلى أسباب ضعفها ولا غَذَاها بما يُقيم عودها؛ فإن المسلمين اليوم إن لم يتنبهوا ويبدؤوا بريها وإزالة الفساد الذي حل بجذورها وأغصانها فلن تقوم لهم قائمة إلا أن يشاء الله، وعلى الأمة اليوم أن تغيِّر خُطتها مع نفسها ومع ربِّها لينظر إليها بعين العطف والرعاية فيغير من أحوالها ويبدل حالها ويُذلَّ أعداءها، وهو مما وعد الله به الناس فقال مُظهرًا عظيم قوَّته وسؤدُدَه وعِلمه التام: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: 8 11].

إذن هذا هو المُفتاح الذي تُفتح به الأقفال التي وضعت على الأمة اليوم فغلَّتها وأضعفت شوكتها فتكالب عليها الأمم كما تتداعى الأَكَلَةُ إلى قصعتها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾!



رحم الله من قضى في هذه الحادثة الإرهابية اللئيمة، وتقبلهم في الشهداء، وصبَّر أهليهم وذويهم على ما أصابهم، وأخلف الأمة في مصيبتها خيرًا!

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا

وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين!

وكتب لتِسعٍ مَضينَ من شهر رجب الحرام سنة أربعين وأربعمئة وألف من الهجرة الشريفة

أبو موسى أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة 

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

آمين.

03‏/07‏/2018

روحي كطائر ضل عن عشة (رحيل صديق)!

روحي كطائر قد ضل عُشّه (رحيل صديق)!

بك اللهم أستعين ..!
سبحان من قدَّر الأقدار وأخفاها، وخلق في القلوب المشاعر وأبداها، يصرِّف الأقدار وفق بالغ حكمته ويبرؤها بتمام علمه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، والمبشر بجنات النعيم ..
أمّا بعد:
فإن الأقدار لا تنفك تتصرف بما يسر ويحزن، وبما تطمئن له النفوس وتجزع، وهذه الدنيا دُوَل وأرواحنا تجري مع أقدارها كطائر غِرٍّ قد ضل عن عشه، فهو يضرب بجناحيه الضعيفين ويخبط خبط عشواء لا يهتدي إلى عُشِّه ولا يجد إلى ذلك سبيلًا!
ولعل من أشد الأمور صعوبة على الإنسان في هذه الدنيا أن يجد الصديق الصادق الصدوق، والأخ العاقل والرفيق الحريص، وليس ضربًا من العجب أن جعلت العربُ ذلك من المستحيلات!
ولقد يجد الإنسان ذلك الخل الوفي على ندرته ولكن إيجاده لن يكون بأصعب وأشق على النفس من مفارقته بعد إيجاده والاستئناس بصحبته والطمأنينة إلى رفقته سنوات طوال؛ فيا لله العجب ما أصعب إيجاده وما أشد مفارقته؛ فمن عرف مشقة البحث والإيجاد عرف ألم الفقد والمفارقة!
ولقد منَّ الله عليّ منذ ما يزيد على أربعة عشر سنة أن وجدت ذلك الصديق الذي ضربت العرب في ندرته الأمثال، فكان الأخ المؤدَّب والمؤدِّب، والرفيقَ الرفيق، والصديق الصَّدوق الذي تجده عند كل نائبة من نوائب الدنيا على كثرتها ومرارتها شاخصًا كما الرمح ينبري قبل غيره في مجالدتها ومدافعتها عنك، ومهما يكن من قول يخرج من بين لحييَّ، أو كتابة تخطها يمني فإنه في حقه قليل، وعن إيفاء أياديه البيضاء حقها عاجز وعليل؛ فجزاه الله خيرًا في الدنيا والآخرة!
ولقد شاء الله لهذا الأخ أن ينتقل من جواري في مسكني إلى مسكن آخر في مدينة عمّان البلقاء -حرسها الله-  يوم الأحد السادس عشر من شهر شوال عام تسع وثلاثين إلى بيته الجديد، وهكذا هي الدنيا ملاقٍ ومودِّع ولله في خلقه شؤون!
ولعل من عجيب الأقدار أنني كنت أنا من أقلَّه وأهله إلى منزله الجديد بسيارتي أحمل عليها حاجياته ومعها ذكرياتي وأيامنا الخوالي، أمشي بها كمن يمشي بروحه ليضعها بعيدًا عنه فيا لله ما أبأس الإنسان وما أشد عناءه.. نعم! حملت معي أخي أبا عبدالعزيز وذكريات السنين ومجالسنا وخيرات ولحظات قد نُثرت فيها ضحكات ودمعات، وأفراح وأتراح، ونصائح ومشاورات، وعيش للأحداث بكل ما فيها وكأننا قلبان ينبضان في ذات الجسد!
كل ذلك مرَّ كطرفة عين، ولقد نزل من سيارتي ونزلت معه روحي إلى منزلها الجديد ترفرف حوله في اضطراب وقلق وحيرة فكيف لها أن تكون في مدينتين معًا؟!
حالها كحال طفل لم يبلغ التمييز أضاع أعز شيء عليه فلا تراه إلا وَجِلًا كئيبًا شارد الذهن وكأن قطعة من روحه قد انتزعت أو مساحة من جلده قد مُزّقت!
ليس بالأمر السهل أن أفارقك يا أخي منير وليس بالهين عليَّ أن لا أجدك إلى جواري، وأنت وإن كنت ما زلت قريبًا يمكن الوصول إليك وبلوغ منزلك ولو كل مدة إلا أن ثمّة فراغًا موحشًا قد تركته خلفك فأضحت النفس كبيت على أطراف المدينة قد تكسرت نوافذها وخفقت الأرياح بين جنباتها وأخذت أبوابها تصفق!
وعلى جدران هذا البيت ذكريات جميلة كنا قد عشناها بين الأزقة والطرقات وفي المساجد والحلقات ولم يكن هناك مكان تحلُّ به إلا ويُنتفع منك بشيء؛ كان علمًا أو سمتًا أو حتى انشراح صدر بالنظر إلى مبسمك!
ولعل جاهلًا يعترض على ما أكتبه فيك اليوم ولكنني أعذره إن ظن أن ذلك مني غلوًّا في أخٍ أو مبالغة في مدح صديق، فأقول: إنني لا أجدني عاجزًا عن الكتابة عجزي الساعة عن وصف ما يختلج صدري ويعتلج وجداني، وعزائي في كل هذا ما قدره الله بيننا من أخوّة في الله لم يكتنفها يومًا مصالح دنيوية ولا شهوات دنيَّة، خالصة في ذات الله ﷻ ملؤها النصيحة والأخوة والمروءة. 
فأسأل الله في عليائه أن يسهل أمرك وأن يختم لي ولك بالصالحات، وأن يمن علينا بعد التوبة النصوح بالاستظلال في ظله وأن يجعلنا ممن قال نبينا ﷺ فيهم:  «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه»!
وكتب:
ظهر يوم الثلاثاء ١٨ من شهر شوال سنة ٣٩ هـ
أبو موسى أحمد بن عيّاش بن موسى الغرايبة 
غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين
آمين
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. 

07‏/12‏/2017

فتح كفتح عمر الفاروق!

فتح كفتح عُمر الفاروق!
إن القضية الفلسطينية قضية شائكة جدًّا تتجاذبها أمور ومواقف وسياسات، إلا أنها تحمل في حقيقتها قضية مهمة جدًّا لكل الناشدين أن تعود الأرض المقدسة ومنها بيت المقدس، وهو إلقاؤهم اللوم على الحكام في ضياعها، وهذا وإن كان فيه بعض حقٍّ فإنه ليس السبب الأكبر في ضياعها، بل تضييع هذه الشعوب لفريضة الاعتصام بحبل الله تعالى والعمل بكتاب الله في أنفسها قبل مطالبتها للحكام بذلك، فإن الخطاب الإلهي إنما ورد مورد العموم ولا مندوحة لأحد أن يُخصصه بالحكام، فمتى وعت الأمة ذلك وعظمت أمر الشريعة في أنفسها، واجتمعت على الكتاب والسنة بعد تفرق التحزب والبدعة؛ فقد أخبر الله المؤمنين بأن التنازع ومعصية الله ورسوله سبب للفشل وذهاب الريح، وأن السبيل بعد طاعة الله ورسوله وترك التنازع إنما هو الصبر فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، ونهاهم الله عن البطر والرياء والصدِّ عن سبيل الله، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: 47]، فأيُّ بطر، وأيُّ رياءٍ، وأيُّ صدٍّ عن سبيل الله أعظم مما تلبست به الأمة اليوم في مظاهر بادية للعيان؟!
وقد وعى الفاروق عمر -رضي الله عنه- ومن معه هذا الأمر فعملوا بخطَّة الله التي ارتضاها لعباده الصالحين فكان الجزاء أن يورثهم الله الأرض المقدسة إرثًا عزيزًا وأن ينصرهم نصرًا مؤزَّرًا، فجاء عمر الفاروق -رضي الله عنه- متخشعًا متزهِّدًا من الدنيا وزينتها ليستلم -كأعز ملكٍ- مفاتيح بيت المقدس، ليقيم أول الأمر مسجده العمري ويُعلن نداء التوحيد في جنبات المعمورة، لترتج حيطان المساكن بـ: الله أكبر! فكان التوحيد الصِّرف أول همِّه وغاية مقصده فأعزَّه الله ونصره، ومتى سارت الأمة بسيرة الفاروق؛ آتاها الله فتحًا كفتح عُمر.. ولكن!
وها نحن اليوم -والحالة هذه- من الضعف والتفرق وترك الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله واتِّباع سُنن اليهود والنصارى في كل منحًى من مناحي الحياة تُمزقنا مخالب الذئاب وأنيابها طمعًا فيما آتانا الله من فضله من ثروات الأرض ظاهرها وباطنها، وهؤلاء الأكَلَة المتداعية على قصعتنا؛ يتنافسون أيهم يملأ جوفه ويوسع مقعده على مائدة المسلمين، غير آبهين بأحد من أهل الإسلام، وما ذلك إلا لوقوفهم على مكمن الخلل الذي تبيد بسببه الأمم وتضعف شوكتها؛ فيضغطون بكل ما أوتوا من قوَّة وعنجهية على جرح التفرق النازف المُلتهب؛ ليزداد وجع الأمة وتخور قوَّتها فلا تتمكن من القيام من مرضها الذي استفحل وكاد يُنتن!
ينبغي على الصادقين اليوم من المُصلحين أن يعرفوا أن كل إصلاح لا يوافق كتاب الله وسنَّة نبيه ﷺ فإنه إصلاح فاسد يحتاج إلى إصلاح في ذاته.. فمتى ما شربت الأمة من معينها الصافي ترياق الصحوة الإيمانية وتضلعت من ماء الأخوَّة الصادقة، واتَّحدت اتحادًا صحيحًا فإنها ستنهض وتنفض الغبار عن كاهلها وتعود دماء العزَّة لتسري في عروقها، وعندها سترضخ أمم الشرق والغرب لقوتها وجبروتها، وما لم تفعل فإنها لن تقوم لها قائمة!
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]!
وكتب في يوم الخميس 19 / ربيع الأول / 1439هـ
أبو موسى أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
آمين



30‏/03‏/2017

في تربية الأولاد!

#في_تربية_الأولاد

أرسل لي بعض الأصدقاء كلامًا يقول صاحبه أنه لن ينجب طفلًا قبل أن يكون قد هيَّأ له الحياة الكريمة، ويستنكر في كلامه قول العامة: (يأتي الطفل ورزقه معه) ويصف هذه المقولة بالتافهة!!
وذكر فيما ذكر أن حاجة الطفل لا تقتصر على الطعام والكساء، بل هو محتاج إلى أن يعيش طفولته بطولها وعرضها ويحتاج إلى الألعاب والاهتمام والتربية والتعليم، ويحتاج إلى وجود أبوين مسترخيين يتحملان إزعاجاته.. إلخ، وأنهى صاحب الكلام كلامه بقوله: إن إنجاب طفل وحرمانه من أن يتمتع بطفولة سعيدة جريمة لا تغتفر!!
ولي مع هذا الكلام تعليقات لعل الله ينفع بها وبه أتأيد.

بداية أنوه إلى أن الإسلام دين شمولي قائم على جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، وهو يدور مع كل ما هو نافع ومفيد في الحياة الإنسانية فلا يتنافى الإسلام مع مصلحة الإنسان بل يصب بالكلية في هذه المصلحة سواء الدنيوية أو الأخروية.
وصاحب الكلام المذكور آنفًا عنده من الجهل في دين الإسلام بله في الحياة بشكل عام ما الله به عليم، فهو وأمثاله متعلقون بالمحسوس فإن كانت الدنيا بين يديه رضي واطمأن وإن زالت من بين يديه جزع وظن أنه هالك!
لذا أنا أخاطب أهل العقول والقلوب العامرة بالإيمان بربها المتعلقة بحبائل الإيمان الوثيقة والمُقبلون على دنياهم بمنظار الآخرة الذي لا يخيب من نظر به ولا ندم من عمل له!
والله الموفق.

حث الإسلام على الزواج ورغب فيه أيما ترغيب، بل كان من مزايا هذا الدين العظيم أن أشبع رغبة الرجال الغريزية وميلهم الفطري إلى النساء بأن أباح لهم تعديد النكاح مثنى وثلاث ورباع، ولم يجعل لذلك قيدًا إلا قيد خوف العدل بين النساء في المسكن والنفقة والكسوة، وأمر في هذه الحالة بالاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين.
بل ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر الشباب الذي لا يملك مؤونة الزواج بالصيام كبحًا لجماح الشهوة وتهذيبًا وصيانة للنفس، فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج.... ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء".

ومما حسّنه الإسلام في أمر الزواج أن أمر باختيار الزوجة الصالحة ذات المنبت الحسن والصفات الحسنة، فجاء في الحديث: "تزوجوا الودود الولود"، وهاتان صفتان ممدوحتان في النساء بعامة، مع الصفة التي يجب أن تكون منطلق كل علاقة زوجية وأساس كل أسرة يراد تكوينها بين رجل وامرأة وهو (الدين)؛ لقوله ﷺ: "فاظفر بذات الدين"!

فإذا عرفنا أن أول اللبنات التي يجب أن تقوم عليها الحياة الزوجية السعيدة والأسرة الإسلامية المتينة المتماسكة هي ثلاثة أمور رئيسة (القدرة على الإنفاق / المرأة الودود الولود / المرأة صاحبة الدين) علمنا أن أمر الزواج والإنجاب في الإسلام ليس أمرًا اعتباطيًا غريزيًا بل له أهدافه ويراد منه ما أراده الله من بني الإنسان من توحيده بالعبادة وعِمارة الأرض.

والإسلام أراح العباد من أكبر الهموم في مسألة الزواج، وكفلها لهم بالنص الصريح وبكلام العزيز الحكيم، فقال تبارك وتعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22 - 23].
وكفل للمقبلين على الزواج والراغبين بأن يكون لهم ذرية من أصلابهم رزق من سينجبونه بأمر الله فقال عزَّ مِن قائل: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ [الأنعام: 151].
﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ [الإسراء: ٣١].
فأقرَّ الله أعين أهل الإيمان بهذه المُبشرات والضمانات، فقرَّت بها أعينهم، واطمأنت قلوبهم أن الله لن يضيِّعهم، وزاد هذا التوكيد توكيدٌ آخر من نبينا الكريم ﷺ إذ قال في ما رواه عنه أبو هريرة -رضي الله عنه-: «ثلاثة حق على الله تعالى عونهم»، وذكر منهم: «والناكح الذي يريد العفاف» (رواه الترمذي حسنه).
فهذه مجموعة محفزات على النكاح بشروطه، ومجموعة مطمئنات على ما تقوم به الحياة وتربية الأولاد، فلله الحمد والمِنَّة!

ففيما سبق رد على استنكار صاحب المقال قول العامة: (يأتي الطفل ورزقه معه)، ولن أعرج على وصفه لهذا الكلام بالتافه فالله حسيبه وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو يتولى حساب عباده!

وفي رأيي القاصر أن المقبلين على الزواج يحتاجون إلى أمرين مهمين ليكون هذا الزواج نواة أسرة صالحة في المجتمع الإسلامي الكبير ويكون نتاجُهما نتاجًا صالحًا تنتفع به الأمة والبشرية جمعاء، وهذان الأمران هما: إيمان، ومشروع!
فبالإيمان تستقر النفس وتهدأ وتنشغل به عن خطرات شياطين الجن والإنس ممن يوسوس في عقول الشباب المُقبل على الزواج والراغب في كثرة الإنجاب أنك ستفتقر ولن تستطيع تربية ولا تعليمًا ولا نفقة!
وبوجود المشروع الصادق الذي يراد به الحياة الآخرة وتحصيل مرضاة الله يولد الهمُّ الباعث على زيادة العناية والرعاية لنتاج هذه الأسرة من بنين وبنات!

أما موضوع الإيمان فقد تكلمنا عنه باقتضاب فيما تقدم، وسأتكلم عن المشروع وأستهل الكلام بأثر يروى عن الفاروق عمر رضي الله عنه -وإن كان ضعيفًا إلا أن معناه متعلق بموضوع هذه التعليقة- يقول فيه: "إني لأكره نفسي على الجِماع رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده" أو قال: "تسبح الله"، وأيّا كانت الرواية فهذا مقصد شرعي أخروي عظيم وهو بذاته يدل على الهم الذي ينبغي أن يحمله المُقبل على النكاح من حُسن التربية وإنجاب الولد الصالح لا مجرد قضاء الوطر وإشباع الرغبات!
فالحياة الزوجية ليست شهوانية صِرفة وإنما شرعها الإسلام ورغَّب فيها لحفظ النسل ولطهارة الإنسان من أدران الزنا والخنا، واختلاط الأنساب فجعل لها أبدع قانون وأحوطه وجعل لها أركانًا وواجبات ومستحبات وشروطًا وقيودًا وموثيق غليظة توعد الله من تعداها بالعقوبة يوم القيامة.. فعلى المسلم أن يفطن ويتنبه وأن يكون من هذا على حذر!

ذكر صاحب المقالة أن حاجة الطفل غير مقتصرة على المأكل والكسوة، وهذا حق في ذاته لا غُبار عليه ألبتَّة، ثم قال: بل هو محتاج إلى أن يعيش طفولته بطولها وعرضها -كذا قال!- ولا أدري ما يعني بطولها وعرضها، فالذي يقرره علماء النفس والتربية أن النفس البشرية تحتاج إلى ما يهذبها ويقلل من رغباتها الجامحة في امتلاك كل ما ليس عندها على كل الصُّعد فترك الطفل يعيش حياته بطولها وعرضها دعوى فارغة لا تقوم على رؤية عقلية صحيحة أبدًا وصاحبها لا يعرف من مسالك التربية أي شيء للأسف!
فكيف يُترك الولد مرخيًا له الحبل على الغارب لمجرد كونه طفلًا؟!
إن هذا لمن السفه الممجوج الذي لا تقبله الفِطر السليمة ولا العقول القويمة!
إن من أهم مراحل تكوين الأولاد هي مرحلة الطفولة المبكرة ففيها تنغرس القيم والأخلاق والعادات الحميدة والقيم المجتمعية الطيبة بحيث ينشأ الولد والبنت عليها وتنتقش في قلبه ووجدانه كالنقش في الحجر.. وتركه يمارس كل ما يريد من غير حسيب ولا رقيب مجازفة خطيرة وسلوك لطريق عاقبته وخيمة، وكم رأينا من هؤلاء من يُعاني الأمرين مع أولاده على صغر سنهم فتجده لا يستطيع أن يأمر ولده بشيء فيه خيره فيجيبه إلى ذلك أبدًا إلا بالقوة الجبرية!
فتأمل ولا تتعجل!

قال صاحب المقالة: ويحتاج إلى الألعاب والاهتمام والتربية والتعليم، ويحتاج إلى وجود أبوين مسترخيين يتحملان إزعاجاته.. إلخ.
أما الألعاب فأمرها سهل متيسر ويمكن استغلال غريزة الاستكشاف لدى الطفل وتوجيهه إلى ألعاب فيها فائدة ذهنية وتربوية ينتفع منها وليست هي مقتصرة على وجود الدمى وغيرها مما ينتشر الآن في الأسواق مما يسبب التخلف العقلي لأولادنا والبلادة الذهنية لهم، ولكل طبقة من طبقات المجتمع ألعابه التي يستمتع بها وهي تتفاوت بساطة وتعقيدًا بحسب تفاوت أرزاق الناس وفي كلٍّ خير والحمد لله، وأذكر أننا كنا نلعب بالأسلاك ونصنع منها السيارات، ونستخدم علب السردين كسيارات ونستخدم علاقات الملابس لصنع القوس والنشاب، وتستخدم البنات الدمى المصنوعة من الإسفنج، والأقمشة، ولعبنا بالألعاب الإليكترونية والورقية والسيارات والطائرات والعجلات وركضنا بسعادة غامرة حفاة بلا أحذية ولبسنا أفضلها حينًا من الدهر وكل هذا قبل عالم الجوالات وما ألصق بها من مُلهيات!
وكل جيل وله ما يلعب به ويقضي رغبته في الترويح عن النفس وتسليتها.

وأقفز إلى قول الكاتب: ويحتاج إلى وجود أبوين مسترخيين يتحملان إزعاجاته.
وأقول أين هذا في دنيا الملوك ولا أقول في دنيا عامة الناس؟!!
هذا وهم ما بعده وهم، إن كان يُظنُّ أن في الأرض من هو مسترخٍ لا همَّ عنده ولا أحوال نفسية تؤثر عليه، إن هذا الأمر أمر لا يمكن أن ينفك عن النفس البشرية أبدًا فإنها تنشغل بأقل شيء يصيبها وتهتم به ويزعجها أقل نظرة أو تصرف أو خاطر، فطلبُ مَنْ هذه حالُه مُحال في هذه الدنيا وقد أخبرنا الله أنه خلق الإنسان في كَبَد، أي: في عناء ومشقة.. ولو لم يكن من أمور الدنيا التي تُشعر بالتوتر والعصبية إلا همُّ تربية الأولاد وتنشئتهم التنشئة الصالحة -ولو كان ولدًا واحدًا- لكفى به سببًا يردُّ على الكاتب كلامه، إلا أن ما يسبب هذا الاضطراب في الرؤية والخطأ في التقدير هو الركون إلى مادية الحياة والتطلع إلى اجترار التجربة الغربية -الفاشلة أسريًّا- ومحاولة تصويرها على أنها هي الحق المبين وهي السراج المنير، وأن تخلفنا التكنولوجي والحضاري ما هو إلا بسبب كثرة الإنجاب!

وأعود إلى أهم نقطة طرحها الكاتب وعليها مدار الرد الذي أكتبه وهي مسألة حاجة الطفل إلى التربية والتعليم، وهما من الحاجات الأساسية التي تقوم عليها حياة الطفل المستقبلية، وبهما يحيا الحياة السعيدة الهانئة، وقد حث الإسلام على التربية وشدد في أمرها وعاقب من أساءها وبيَّن أن التربية الإيمانية هي أعلى مقاصد هذه التربية فجعل للمسلم من الأسباب الفطرية والشرعية ما يتكئ عليه في تربية نفسه وذريته، فنبهه على أهمية العبادة وربطِ المؤمن بربه وتوكله عليه واستعانته به في كل أمور حياته حتى في شراك نعله!
ولن أسرد ما ورد في الكتاب والسنة من الآيات والآثار ما يعزز هذه النقطة فالأمر واضح ومعروف لكل من له معرفة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وحث الإسلام على العدل بين الأولاد والتسوية بينهم في العطايا لا فرق في ذلك بين ذكر أو أنثى، وأمر الوالدين بالإحسان إلى أولادهما بالدعاء الصالح والتنشئة على الأخلاق الحسنة كالإيمان والصدق والأمانة والشجاعة والغيرة والقوة والنخوة والمروءة وبذل المعروف للناس والرحمة وابتغاء الدار الآخرة والمثوبة من الله، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وبين لهم خطر التكبر على الخلق، والاستعلاء عليهم بالأقوال والأفعال القبيحة، ونهاهم أيضًا عن التشبه بالأمم وحثهم على التميُّز بالشخصية المسلمة الصالحة العامرة للأرض بألوان الخيرات وصنوف الإفادات، لذلك كان المسلمون في عصورهم الذهبية منارة تُشع علما ونورًا وإيمانًا ملأ أصقاع المعمورة فأنارت الأرض بنور ربها!
وهذه التربية الشامخة العزيزة تحتاج بادئ ذي بدء إلى وجود هذه التربية في نفوس الزوجين بحيث تكون القبس المنير الذي يضيئ لهما طريقهما ويستلهمان منه خطوات هذه التربية المنشودة، وليست كثرة الأولاد أو قلتهم بالشيء المؤثر أبدًا في هذه المشروع الإصلاحي الإنساني الكبير بل قد تكون الكثرة أكثر إعانة من القلة فيربي الأولاد بعضهم بعضًا بالمشابهة والمشاكلة ويقدح في عقولهم التحدي وسرعة الإنجاز وطرافة المنافسة فلا يجد الأبوان من هذه الكثرة إلا الخير وراحة البال.. والله بيده التوفيق لا رب سواه ولا معبود حقٌ إلَّاه!

إذن.. فالتربية ليست بالأمر الهين وهي بحاجة إلى نفوس عالية وطموحات باسقة كشاهق النخل تسمو بوجدانها وترنو أن تكون في أعالي القمم، ولا تقبل بأن تدنسها أوحال الأمم ممن لا يرجون الله واليوم الآخر، وإن كثيرًا ممن تعلق بالمادة ليجزع وتضيق نفسه ذرعًا إذا سمع أن فلانًا من الناس ذو عيال كثيرة فيأخذ بالنقد له وكأنه ارتكب ذنبًا أو زاد في معاناة البشرية وضياعها، وما علم هذا الجاهل أن الأمم بأخلاقها لا بأعداد أفرادها، وهذه أوربة تعاني اليوم وتئنّ من سوء ما اقترفت يداها ومن شناعة ما قدمته للبشرية من زبالات الأفكار في التحرر والمساواة وتشوية الفطر وجعل الحياة الغريزية الشهوانية الحيوانية متاحة لكل من بلغ الثامنة عشرة من عمره فلا رقيب ولا حسيب ولا قيمة لوالد ولا والدة فضاعت أخلاقهم إن كان ثمة أخلاق!
وزادت دنياهم كدرًا وضيقًا فصار الواحد فيهم آلة تكد لتحصيل المال ومن ثم تنكص على أعقابها في نهاية الأسبوع فتنفقه فيما فيه هلاك أبدانها وأديانها!

وقد استيقظت أوربَّة على نفسها في السنوات الفائتة وقد شاخت وهرمت وبدأت بالتناقص والتقلص فقد أفاد المؤتمرون في جنيف السويسرية في مؤتمر حول معدلات النمو السكاني في العام الرابع بعد الأف الثانية فقد أفادت "المعطيات المتداولة أن الانخفاض الكبير في معدلات الانجاب تحول إلى مشكلة كبيرة تواجه معظم البلدان الأوروبية. وتعود هذه الظاهرة إلى نمط العيش الذي انتهجته الأجيال الجديدة منذ منتصف القرن الماضي وصولا إلى السنوات الأخيرة.
فقد تراجع الإقبال على الزواج، وارتفعت نسبة الذين يؤجّـلونه إلى سن متأخرة على عكس ما كان متعارفا عليه في السابق، وتزايد عدد الاشخاص الذين يختارون البقاء بدون زواج طوال حياتهم.
وأدّت هذه السلوكيات الجديدة إلى انخفاض معدلات الإنجاب في بلدان أوروبا الغربية إلى أقل من 1،5 طفل لكل امرأة، بل إن هذه النسبة بلغت في بعض دول جنوب القارة وشرقها 1،3 طفل لكل امرأة.
كما أدّى تدهور الأوضاع الصحية في بلدان أوروباالشرقية بعد تحسّـن قصير في أعقاب انهيار المعسكر الشرقي في بداية التسعينيات والارتفاع المسجل في حالات الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسب في إضفاء المزيد من التعقيد على المسائل المرتبطة بالانجاب في العديد من هذه الدول". [منقول من مقال كتبه محمد شريف - جنيف بتاريخ 15 يناير 2004 نشر على موقع: swissinfo] (!!)
إذن هذه حالهم وهذا ما وصلت إليه من تردٍّ مخيف أصبح يشكل لهم قلقًا وهم يحيصون حيصة الحُمر الوحشية فلا يهتدون إلى حل لهذه الأزمة!
هذه أوربّة كما ترى رغم توفر الحياة المادية والمال الهائل والتقدم الحضاري على كل الصعد غير قادرة على إقناع ملايين الشباب والشابات بترك الزنا للانخراط في سلك الزواج العفيف والأسرة الصالحة، وعاجزة تمامًا عن أن تقنع شعوبها بإعادة النظر في مسألة الإنجاب وتكثير المواليد حتى لا يهلك الجنس الأوروبي، حتى جعلت من ضمن الحلول لهذه المُعضلة أن تفتح المجال للهجرة إلى بلادها لأولئك الذين يُكثرون من الإنجاب وليس هؤلاء إلا العرب!

ومن هنا تعلم أن وصف الكاتب وامتناعه عن الإنجاب لأسباب ظنيَّة لا قطعية ووصفه للإنجاب بالجريمة التي لا تُغتفر هو جريمة في ذاته في حق الأسرة وجريمة في حق البشرية جمعاء، وجريمة في حق الطفولة ذاتها.. فمتى يفيق أمثال هذا من غفلتهم وينظرون إلا واقعهم نظرة فاحصة يستلهمون فيها الحلول من تاريخ الأمة العريق ويقدمونه لأبناء الأمة ويتركون عنهم زبالات أفكار الغرب الذي إن فعل فعلًا ناسبه ردحًا من الزمن وحصل له به مصلحة برهة من الوقت لم يكن ذلك مما يجب أن نتقمَّصه ونجعله رداءً لنا نرتديه ونترك جوهر الأمر الذي فيه صلاح دنيانا وأُخرانا، واللهَ أسأل أن يردنا إلى ديننا ردًّا جميلًا ، وأن يفهمنا إسلامنا فهمًا سليمًا، وأن يتولّانا بحفظه ورعايته وأن يهدي ضال المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وكتب:
لثلاث مضين من رجب المحرم سنة 38 هجرية
أبو موسى أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة
غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين
آمين

29‏/09‏/2016

هل سمعتم من يذكر الدجال على المنابر آنفًا؟!!

#المسيح_الدجال
هل سمعتم من يذكر الدجال على المنابر آنفًا؟!! . 
عن الصعب بن جثامة، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر». 
[زوائد الإمام أحمد، وصحح إسناده الهيثمي في: «مجمع الزوائد» (7/ 335)، وقال: «رواه عبدالله بن أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو، وهي صحيحة كما قال ابن معين، وبقَّيةُ رجالهِ ثقات»، وصححه الألباني في: «قصة المسيح الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام» (ص30)]. 
_________________ 
قال الشيخ الألباني -رحمه الله- معلقًا على هذا الحديث (ص31 - 38): ولقد صدق هذا الخبر على أئمة المساجد، فتركوا ذكر الدجال على المنابر وهم خاصة الناس؛ فماذا يكون حال عامتهم؟! وإذا كان الله تبارك وتعالى قد جعل بحكمته لكل شيء سبباً؛ فلست أشك أن سبب هذا الإهمال لذكره - مع اهتمام الرسول ﷺ أشد الاهتمام في التحذير من فتنته؛ كما ستراه فيما يأتي في أول قصته -إنما هو تشكيك بعض الخاصة في الأحاديث الواردة فيه؛ تارة في ثبوتها وعدم ورودها بطريق التواتر -زعموا- وتارة في دلالتها كما تقدم بيانه، فكان من الواجب أن يقوم أهل العلم بواجبهم؛ فيبينوا للأمة ما حدثهم به رسول الله ﷺ من فتنة الدجال وقتل عيسى عليه الصلاة والسلام إياه؛ بنفس الطريق التي تتلقى الأمة به عن النبي ﷺ كل ما يتعلق بدينها- من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وغيرها، ألا وهو الحديث النبوي - وبذلك يقضى على السبب المشار إليه، ويعود الناس فيذكرون الدجال وفتنته، فيتخذون الأسباب لاتقائها، فلا يغترون بأضاليله وتحاريفه التي لا يصدق بإمكان وقوعها من مِثله إلا المؤمن - الذي لا يرتاب أدنى ارتياب فيما جاء من أنواع الفتن، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68].

 فإذا علم المؤمن بذلك وآمن به؛ اتخذ الأسباب التي تعصمه من فتنته؛ وهي:  

أولاً: الاستعاذة بالله تعلى من شر فتنته، والإكثار منها؛ لا سيما في التشهد الأخير في الصلاة فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم! إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال»(1). وثبت في «الصحيحين» وغيرهما عن جمع من الصحابة -منهم عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي ﷺ كان يستعيذ من فتنته. بل إنه أمر بالاستعاذة من أمراً عاماً؛ كما في حديث زيد بن ثابت قال: بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له -ونحن معه- إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرُ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك (وفي رواية: في الجاهلية). فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه»، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار». قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: «تعوّذوا بالله من عذاب القبر».قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر». قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن».قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منه وما بطن. قال: «تعوذوا بالله من فتنة الدجال». قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال(2).  

ثانياً: أن يحفظ عشر آيات من أول سورة (الكهف) فقد قال ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة (الكهف)؛ عصم من [فتنة] الدجال». رواه مسلم وغيره عن أبي الدرداء(3). 

 ثالثا: أن يبتعد عنه، ولا يتعرض له؛ إلا إن كان يعلم من نفسه أن لن يضره لثقته بربه، ومعرفته بعلاماته التي وصفه النبي ﷺ بها؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله؛ إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه: مما يبعث به من الشبهات». أخرجه أحمد وغيره، عن عمران بن حصين(4).  

رابعًا: أن يسكن مكة والمدينة، فإنهما حرمان آمنان منه؛ لقوله ﷺ: «يجئ الدجال فيطأ الأرض إلا مكة والمدينة، فيأتى المدينة؛ فيجد بكل نقب من نقابها صفوفاً من الملائكة». أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك -رضى الله عنه-(5). 
 ومثلهما المسجد الأقصى والطور؛ كما يأتى فى الفقرة (24 - السياق).

 واعلم أن هذه البلاد المقدسة إنما جعلها الله عصمة من الدجال لمن سكنها وهو مؤمن ملتزم بما يجب عليه من الحقوق والواجبات تجاه ربها، وإلا فمجرد استيطانها - وهو بعيد فى حياته عن التأدب بآداب المؤمن فيها - فَمِمَّا لا يجعله فى عصمة منه، فسيأتى فى الفقرة (25 - أبو أمامة، 30 - السياق) أن الدجال -عليه لعائن الله- حين يأتى المدينة النبوية وتمنعه الملائكة من دخولها؛ ترجف بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه. فهؤلاء المنافقون والمنافقات -وقد يكون نفاقهم عمليّاً- لم يَعْصِمْهُمْ من الدجال سكنهم فى المدينة النبوية؛ بل خرجوا إليه، وصاروا من أتباعه كاليهود! وعلى العكس من ذلك؛ فمن كان فيها منالمؤمنين الصادقين فى إيمانهم؛ فهم مع كونهم فى عصمة من فتنته؛ فقد يخرج إليه بعضهم متحدياً وينادى فى وجهه: هذا هو الدجَّال الذى كان رسول الله ﷺ يحدثنا حديثه ... كما سيأتى فى الفقرة (31 - السياق). 

فالعبرة إذن بالإيمان والعمل الصالح، فذلك هو السبب الأكبر فى النجاة، وأما السكن فى دار الهجرة وغيرها؛ فهو سبب ثانوى، فمن لم يأخد بالسبب الأكبر؛ لم يفده تمسكه بالسبب الأصغر، وقد أشار إلى هذا النبى ﷺ بقوله للذى سأله عن الهجرة: «ويحك! إن شان الهجرة لشديد! فهل لك من إبل؟». قال: «فهل تؤتى صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً»(6). 

وما أحسن ما روى الإمام مالك فى «الموطأ» (2/ 235) عن يحيى بن سعيد: «أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسى: أن هلمَّ إلى الأرض المقدسة. (يعنى: الشام). فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدسُ الإنسانَ عملُهُ». وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]. 

من أجل ذلك؛ لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام وإقامة دولته على وجه الأرض؛ انتظاراً لخروج المهدى ونزول عيسى -عليهما الصلاة والسلام-؛ يأْساً منهم؛ أو توهماً أن ذلك غير ممكن قبلهما ّ فإن هذا توهم باطل، ويأس عاطل، فإن الله تعالى أو رسوله ﷺ لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام ولا سلطان له على وجه الارض إلا فى زمانهما، فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالإسباب الموجبة لذلك؛ لقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]. 

ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التى حملت بعض الأساتذة المرشدين والكُتّاب المعاصرين على إنكار أحاديث المهدى وعيسى -عليهما السلام-، -على كثرتها وتواترها- لما رأوا أنها عند المتوهمين مدعاة للتواكل عليها وترك العمل لعز الإسلام من أجلها! فأخطؤوا فى ذلك أشد الخطأ من وجهين: 

 الأول: أنَّهم أقروهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أن مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها!  

والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغى عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة من حولها، وما مثلهم فى ذلك إلا كمثل من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأن بعض المؤمنين به فهموا منه أن لازمه الجبر، وأن المكلَّف لا كسب له ولا اختيار، ولما كان هذا الفهم باطلاً بداهة ساعروا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا مَعَهُ القدر أيضا؛ لتوهمهم -أيضاً مع المتوهمين- أنه يعنى الجبر، فوافقهم فى خطئهم فى التوهم المذكور، ثم زادوا عليه خطأ آخر -فراراً من الأول- وهو إنكارهم القدر نفسه! فلولا أنهم شاركوهم فى فهمهم منه الجبر لما أنكروه! وهذا هو عين ما صنعه البعض المشار إليه من الأساتذة والكُتّاب؛ فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين -إلا قليلاً منهم- على أحاديث المهدى وعيسى؛ بادروا إلى إنكارها لتخليصهم بزعمهم من التواكل المذكور! فلم يصنعوا شيئاً؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هدى فى إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى. 

والحقيقة أن هؤلاء المنكرين -الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدك عليه من التواكل المزعوم، ولذلك يبادرون إلى إنكارها تخلّصاً منه- قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال فى الفهم، والكفر بالنص! ولكنهم عرفوا أن الفهم المذكور ضلالة فى نفسه، فأنكروه بأنكار النص الذى فهموا ذلك منه! 

وعكس ذلك العامة؛ فآمنوا بالنص مع الفهم المذكور، فمع كل من الفريقين هدى وضلالة، والحق الأخذ بهدى كل منهما، ونبذ الضلال الذى عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون ذلك الفهم الخاطئ. 

وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة؛ والمشبَّهة من جهة أخرى، فإن الأولين تأولوا آيات وأحاديث الصفات بتآويل باطلة أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فرارهم من التشبيه الذى وقع فيه المشبَّهة أن المعتزلة أنفسهم شاركوا المشبَّهة فى فهم التشبيه من آيات الالصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذى هو باطل أيضاً؛ كالتشبيه لما لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبِّهة فلم يقعوا فى هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه، والحق الجمع بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورد باطل هؤلاء وهؤلاء: وذلك بالإثبات والتنزيه، كما قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

وكذلك أقول من أحاديث نزول عيسى عليه السلام وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردّ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل والاستعداد الذى يجب القيام به فى كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، وردننا باطل هؤلاء وهؤلاء. والله المستعان. 
________________ 
(1) انظر «صفة الصلاة» (ص199 - الطبعة السابعة). 
(2) أخرجه مسلم (8/ 161)،وأحمد (5/ 190). 
(3) رواه مسلم وغيره، وفي رواية له «آخر الكهف» وهي شاذة؛ كما حققته في «الصحية» رقم (2651).ويشهد للرواية الأولى حديث النواس الآتي في الفقرة (5) -تخريج فقرات القصة، وحديث أبي أمامة في الفقرة (14). 
(4) وهو مخرج في «المشكاة» (5488)، ورواه حنبل أيضاً في «الفتن» (ق46/ 2). 
(5) وهو مخرّج فى «الصحيحة» (2457). 
(6) أخرجه البخارى (7/ 207 - فتح)، ومسلم (6/ 28)،وأبو داود (1/ 388)، والنسائي (2/ 182)، وأحمد (3/ 64).