04‏/12‏/2012

لا تُظهر الشَّماتة لأَخيك؛ فيرحمه الله ويبتليك!



« لا تُظهر الشَّماتة لأَخيك؛ فيرحمه الله ويبتليك »
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله والصَّلاةُ والسَّلام على رسول الله . . أمَّا بعد :
أخرج الترمذي في «سننه» من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه- حديث : «لا تُظهر الشماتة لأخيك؛ فيرحمه الله ويبتليك»، وقال: «حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع . . . ».
قال الشيخ الألباني رحمه الله في «السلسلة الضعيفة» (5426) : « ضعيف». وذكر (13) ثلاثة عشر مُخَرِّجًا له، جميعهم من طريق:
عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمْداني، والقاسم بن أميَّة الحذَّاء، كلاهما عن حفص بن غياث عن بُرَد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا : به.
ثمَّ ذكر الشيخ رحمه الله- قولَ أبي نُعيم في «الحلية»، وقول الترمذي الآنف الذكر، ومخالفة ابن حبان للترمذي حيث ضعف ابن حبان حفص بن غياث إذا انفرد، وذكر بعدها ردَّ الحافظ ابن حجر لهذا التضعيف بقوله في «التهذيب»: «كذا قال! وشهادة أبي زرعة وأبي حاتم له أنه صدوق أولى من تضعيف ابن حبان».
ثُمَّ ناقش الشيخ رحمه الله- الحافظ ابن حجر في قوله أن الترمذي إنما حسنه لاعتضاده بشاهد ساقه الترمذي له بمعناه وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه- : «كل المسلم على المسلم حرام»، وبيَّن الشيخ الألباني رحمه الله- أن الصواب أن الترمذي إنما حسنه لذاته لا لغيره- لثقة رجاله واتِّصال إسناده عنده ..
ثُمَّ عرَّج الشيخ رحمه الله- على الخلاف الحاصل في ثبوت سماع مكحول الشامي من الصحابي الجليل واثلة بن الأسقع رضي الله عنه- وذكر نفي البخاري وأبي حاتم لسماعه منه، ثم أورد قصة سؤال أبي حاتم لأبي مسهر عن سماع مكحول من واثلة التي جاءت في «التهذيب»، وذكر أن في طريق هذه الرواية من هو كثير الغلط وهو عبدالله بن صالح المصري، واختلاط العلاء بن الحارث.
وفي هذه القصة إثبات سماع مكحول من واثلة رضي الله عنه- لولا ضعف إسنادها.
قال الشيخ في «الضعيفة» (11/ 709) :
«قلت : فهذا لو صح عن مكحول؛ ثبت سماعه منه، ولكن في الطريق إليه ما يدفعه؛ فأبو صالح - وهو عبد الله بن صالح المصري - كثير الغلط؛ كما قال الحافظ في «التقريب».
والعلاء بن الحارث كان اختلط، ولهذا لم يعتد به أبو حاتم، وهو الراوي له، فنفى سماعه منه؛ كما تقدم.
وأيضاً؛ لو ثبت سماعه منه في الجملة؛ لم يلزم ثبوت سماعه لهذا الحديث منه؛ لأن ابن حبان رماه بالتدليس.
نعم؛ إن صح ما في رواية الشهاب القضاعي من طريق أبي يعلى الساجي: أخبرنا القاسم بن أمية الحذاء قال: سمعت حفص بن غياث يقول: سمعت بردًا يقول: سمعت مكحولًا يقول: سمعت واثلة يقول ...
قلت: ففي هذا الإسناد التصريح بسماع مكحول .
والساجي - واسمه زكريا بن يحيى - أحد الأثبات؛ كما قال الذهبي.
لكن لا أدري ما حال الذين دون الساجي؛ فإن الكناشة التي عندي لم أكتبهم فيها يوم نسخت الأحاديث فيها من أصولها المحفوظة في المكتبة الظاهرية، ولا سبيل الآن إلى الرجوع إلى الأصل؛ لأني أكتب هذا التحقيق وأنا في عمان .
وعلى كل حال؛ فأنا في شك كبير في ثبوت سماعه في هذه الطريق؛ لمخالفتها لسائر طرق الحديث عند كل من ذكرنا من المخرجين .
والخلاصة: أن علة الحديث عندي: الانقطاع بين مكحول وواثلة. والله أعلم» انتهى من «الضعيفة».
هذا جلُّ إن لم يكن كلّ- ما ذكره الشيخ رحمه الله- عن هذا الحديث، وحاصله أن الذين ذكرهم الشيخ الألباني أخرجوا الحديث من طريقين اثنين لم يذكر الشيخ غيرهما :
طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمْداني، والقاسم بن أميَّة الحذَّاء.
وقد وجدت لهما متابعًا عن حفص بن غياث عند الخرائطي في «اعتلال القلوب» برقم: (813)، من طريق السري بن عاصم قال حدثنا حفص بن غياث...
قال عنه ابن حبان في «المجروحين»(1/  355) : «465 - السّري بْن عَاصِم بْن سهل الْهَمدَانِي أَبُو عَاصِم مؤدب المعتز كَانَ بِبَغْدَاد يسرق الْحَدِيث وَيرْفَع الْمَوْقُوفَات لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ رَوَى عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ .. ».
ثم وجدت شاهدًا آخر قريبًا منه في : (حديث أبي الفضل الزهري)، قال : حدثنا الحسين بن محمد، نا أحمد بن محمد بن أبي بزة بمكة، نا حفص بن عمر، نا ثور وهو ابن يزيد الكلاعي-، حدثني مكحول عن واثلة بن الأسقع : «إذا أصيب أخوك بمصيبة؛ فلا تظهر له الشماتة؛ فيرحمه الله ويبتليك بأشدَّ منه».
وأحمد بن أبي بزة هو المقريء راوية ابن كثير المكي من القراء العشرة: «ضعيف جدًا».
وحفص بن عمر هو العدني المعروف بالفرخ : «ضعيف».
وثور بن يزيد الكلاعي أبو خالد الرحبي، قال أبو حاتم: صدوق حافظ وهو أحب إليَّ من بُرَد، ووثقه ابن معين وغيرهما وكان يقول بالقدر.
هذا ما وقفت عليه من متابعات وشواهد لهذا الحديث، وأمَّا ما أشار إليه الشيخ الألباني -رحمه الله- عن الطريق التي في «مسند الشهاب القضاعي» من طريق يحيى الساجي فإسناده كما يلي:
أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن عمر بن النحاس، ثنا ابن الأعرابي، ثنا أبو يعلى الساجي، قال ثنا القاسم بن أمية الحذاء ... إلخ متصلًا بإثبات السماع في جميع طبقات السند.
فهذا الطريق صحيح متصل السند، وفيه إثبات السماع لمكحول من واثلة .
والذين ذكرهم الشيخ الألباني ولم يقف على حالهم هم:
الأول : ابن الأعرابي، وهو أحمد بن محمد بن زياد: قال عنه الذهبي في «السير»: «الإمام المحدث القدوة الصدوق الحافظ شيخ الإسلام»، وقال في «تذكرة الحفاظ»: «ثقة ثبتًا عارفًا عابدًا ربانيًا كبير القدر بعيد الصيت».
الثاني : عبدالرحمن بن عمر النحاس: قال ابن ماكولا في «الإكمال»: «وكان ثقة».
وللشهاب القضاعي في «مسنده» طريقان آخران عن القاسم بن أمية الحذاء وفيهما مقال.
مِمَّا سبق يتبين:
أنَّ للحديث ثلاثة طرق عن حفص بن غياث هي:
عمر بن إسماعيل بن مجالد، عنه.
والقاسم بن أمية الحذاء عنه.
والسري بن عاصم، عنه.
جميعهم عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة، وجميعها رويت بالعنعنة غير طريق الساجي عند الشهاب القضاعي فإنها متصلة الإسناد بالسماع.
والشاهد الرابع من رواية ثور بن يزيد الكلاعي عن مكحول عن واثلة.
وهنا وقفة مع قول ابن حبان عن مكحول : أنه «ربما دلس»، فإن قوله هذا لم يذكره أحد من العلماء عن غيره، وإنما المشهور من قولهم أنه كثير الإرسال، وتابع الحافظ الذهبي ابن حبان على هذا القول فقال في «تذكرة الحفاظ» (1/82) : «مكحول عالم أهل الشام أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي الفقيه الحافظ ... يرسل كثيرًا ويدلس عن أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وعائشة، والكبار. وروى عن أبي أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ومحمود بن الربيع وعبد الرحمن بن غنم وأبي إدريس الخولاني وأبي سلام ممطور وخلق» ا.هـ مختصرًا.
وقال في «سير أعلام النبلاء» ط: الرسالة (5/ 155) وما بعدها : « عَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ، يُكْنَى: أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَقِيْلَ: أَبُو أَيُّوْبَ، وَقِيْلَ: أَبُو مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيْهُ، وَدَارُهُ بِطَرَفِ سُوْقِ الأَحَدِ، أَرْسَلَ عَنِ: النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَادِيْثَ، وَأَرْسَلَ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُدْرِكْهُم؛ كَأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وَثَوْبَانَ، وَعُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، وَأَبِي جَنْدَلٍ بنِ سُهَيْلٍ، وَأَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ، وَأُمِّ أَيْمَنَ، وَعَائِشَةَ، وَجَمَاعَةٍ».
إلى أن قال : «وَكَانَ فَقِيْهاً، عَالِماً، وَرَأَى: أَبَا أُمَامَةَ، وَأَنَساً، وَسَمِعَ: وَاثِلَةَ بنَ الأَسْقَعِ».
إذن؛ أثبت هنا الذهبي سماعه من واثلة بن الأسقع -وبصريح العبارة- فقال جازمًا: «وسمع من واثلة بن الأسقع» !
وقال الحافظ ابن حجر في «طبقات المدلسين» : (ص: 46) :
«مكحول الشامي الفقيه المشهور تابعي يقال إنه لم يسمع من الصحابة إلا عن نفر قليل ووصفه بذلك ابن حبان وأطلق الذهبي أنه كان يدلس ولم أره للمتقدمين إلا في قول ابن حبان».
            قلت: يبدو من كلام الحافظ عدم اقتناعه التام برمي مكحول بالتدليس، وإن كان قد عدَّه في الطبقة الثالثة من المدلسين، أو أنه قد حمل قول ابن حبان على (الإرسال).
            وفي قول الذهبي : « يرسل كثيرًا ويدلس عن أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وعائشة، والكبار »، يشعر أن مقصود الذهبي بالتدليس هنا: الإرسال لا التدليس بمعناه الاصطلاحي من حيث أن المدلس يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه فيرويه بالعنعنة مسقطًا للواسطة، وذلك أن هؤلاء المذكورين وهم : أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وعائشة، والكبار، عُلم يقينًا أنه لم يسمع منهم لأنه لم يلقهم أصلًا، فحمل كلامه على الإرسال هو الأليق بمكحول رحمه الله-، والله أعلم.
            ثم وقفت على كلام للذهبي في «ميزان الاعتدال»(4/ 177) عند ترجمة مكحول قال فيه : «روى بالارسال عن أُبي، وعبادة بن الصامت، وعائشة، وأبي هريرة»، فهذا يثبت أن مقصوده بالتدليس هنا إنما هو الإرسال.
            ثم أطلق القول : «وروى عن واثلة، وأبي أمامة، وعدة» ا.هـ.
            وقد جزم الترمذي رحمه الله- بأن مكحولًا قد سمع من واثلة بن الأسقع، وقد رأيت تصريحه أي مكحول- بالسماع في رواية الساجي عن الحذَّاء، والساجي أحد الأثبات كما قال الشيخ الألباني رحمه الله-.
            يبقى هنا نفي البخاري وأبي حاتم لسماعه منه، فإني لم أجد قول البخاري أنه لم يسمع من واثلة بل الذي وجدته في «التاريخ الكبير» (8/ 21) :
« 2008 - مكحول أَبُو عَبْد اللَّه الدمشقي مولى امرأة من هذيل سَمِعَ أنس بْن مالك وأبا مرة الداري، وواثلة بْن الأسقع، وأم الدرداء».
            وممن أثبت سماع مكحول أيضًا ابن معين فقد روى عباس الدوري في «تاريخه»(1/ 347) : «5251 - سَمِعت يحيى يَقُول: سَمِع مَكْحُول من وَاثِلَة بن الْأَسْقَع وَسمع من فضَالة بن عبيد وَسمع من أنس بن مَالك».
            وقال قبلها في (1/ 346) : «5239 - سَمِعت يحيى يَقُول: مَكْحُول الشَّامي قد رأى أَبَا هِنْد الدَّارِيّ وواثلة بن الْأَسْقَع».
            وقال ابن ماكولا في «إكمال تهذيب الكمال» (11/ 351) : «وذكر المزي عن الترمذي أنه قال: سمع من واثلة وأنس وأبي هند، وهو ليس من كلام الترمذي، إنما نقله عن أستاذه البخاري، بين ذلك في كتابه، كذا هو ثابت أيضًا في تاريخي البخاري «الأوسط» و «الصغير» ».
            فنفي سماع مكحول من واثلة ونسب ذلك للبخاري وهمٌ، والله أعلم.
وأما قول أبي حاتم فثابت عنه وقد تابعه عليه آخرون.
وبالنظر إلى تواريخ الوفاة لكل من واثلة رضي الله عنه- ومكحول نجد أن الأول توفي في الشام سنة ثلاث وثمانين، أو خمس وثمانين وهو ابن مئة وخمس سنين، قال في «الجرح والتعديل» (9/ 47) : « 202 - (1094 ك) واثلة بن الاسقع أبو الاسقع الليثي نزل الشام له صحبة توفي وهو ابن مائة سنة ويقال ابن ثمان وتسعين سنة، وكان يشهد المغازى بدمشق وحمص».
            وقال ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (7/ 286) : «3722- .... مَاتَ وَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ بِالشَّامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو الْمُغِيرَةِ الْحِمْصِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ ابْنِ خَالِدٍ قَالَ: تُوُفِّيَ وَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِ سِنِينَ. وَكَانَ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَمَاتَ بِهَا. وَكَانَ يَشْهَدُ الْمَغَازِيَ فَيَمُرُّ بِدِمَشْقَ وَحِمْصَ».
            وقال الدوري في «تاريخ ابن معين» : « 163 - سَمِعت يحيى يَقُول توفى وَاثِلَة بن الْأَسْقَع سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمَات وَهُوَ بن مائَة سنة وَخمْس سِنِين».
            «وتوفي مكحول في سنة ثماني عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ست عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل أربع عشرة ومائة، رضي الله عنه» كما في «وفيات الأعيان» (5/ 283).
            فاحتمال السماع قائم وقد رأيت إثبات ابن معين له، والله أعلم.
            وبعد هذا الاستطراد نخلص إلى أن سماع مكحول من واثلة رضي الله عنه- ثابت لا مرية فيه لما تقدم من أقوال العلماء، ويكون جزم الترمذي بالسماع هو الصحيح، وتحسينه للحديث هو الصواب، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب:
أبو موسى الأردني
أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة
-غفر الله له ولوالديه-
آمين
ليلة الثامن من ذي القعدة لعام 1432 من الهجرة
والحمد لله ربِّ العالمين.

11‏/03‏/2012

..:: [ الكذب ] ::..

..:: [ الكذب ] ::..
الكذب لغة:
مصدر قولهم: كَذَبَ يَكْذِبُ، وهو مأخوذ من مادة (ك ذ ب) التي تدل على خلاف الصدق، والكذب كما يعرفه ابن فارس: «أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق».
والكذب، خلاف الصدق، يقال كذب كذبا، وكذَّبت فلانًا: نسبته إلى الكذب، وأَكْذَبْتَهُ؛ وجدته كاذبًا. وكذب الرجل: أخبر بالكذب.
وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ، قال الأخطل:
«كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا»
ويأتي الكذب بمعنى الجبن عن الثبات في الحرب. وبمعنى: معاريض الكلام والتورية([i]).

والكذب اصطلاحًا كما يعرفه الجرجاني في «التعريفات: (ص183)»: «كذب الخبر: عدم مطابقته للواقع. وقيل هو إخبار لا على ما عليه المخبر عنه».

وقال ابن حجر في « الفتح » (6/ 242): «الكذب: هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدًا أم خطأً».

وقد قيل عن الكذب: هو قبيح لعينه، وقيل: لما يتعلق به من المضار الخاصة؛ لأن شيئًا من الأقوال والأفعال لا يحسن لذاته ولا يقبح لذاته([ii]).

وقال الكفوي في «الكليات»: «الكذب: إخبار عن المخبر به على خلاف ما هو به مع العلم بأنه كذلك، وقيل: عدم المطابقة لما في نفس الأمر مطلقًا... قال: وليس كذلك، بل هو عدم المطابقة عمَّا من شأنه أن يطابق لما في نفس الأمر » .

وقد يكون الكذب بالأفعال كما هو في الأقوال ومن ذلك أن تفعل فعلًا توهم به حدوث أمر لم يحدث حقيقة كأن تكذب على صغير أو دابَّة وكله داخل في معنى الكذب.


ومن دواعي الكذب التي يكذب لأجلها الكاذبون:

يقول الماوردي في «أدب الدنيا والدين» (ص: 263):

«وَأَمَّا دَوَاعِي الْكَذِبِ فَمِنْهَا:

1- اجْتِلَابُ النَّفْعِ وَاسْتِدْفَاعُ الضُّرِّ، فَيَرَى أَنَّ الْكَذِبَ أَسْلَمُ وَأَغْنَمُ فَيُرَخِّصُ لِنَفْسِهِ فِيهِ اغْتِرَارًا بِالْخُدَعِ، وَاسْتِشْفَافًا لِلطَّمَعِ. وَرُبَّمَا كَانَ الْكَذِبُ أَبْعَدَ لِمَا يُؤَمِّلُ وَأَقْرَبَ لِمَا يَخَافُ؛ لِأَنَّ الْقَبِيحَ لَا يَكُونُ حَسَنًا وَالشَّرَّ لَا يَصِيرُ خَيْرًا. وَلَيْسَ يُجْنَى مِنْ الشَّوْكِ الْعِنَبُ وَلَا مِنْ الْكَرْمِ الْحَنْظَلُ..

2- وَمِنْهَا: أَنْ يُؤْثِرَ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ مُسْتَعْذَبًا وَكَلَامُهُ مُسْتَظْرَفًا، فَلَا يَجِدُ صِدْقًا يُعْذَبُ وَلَا حَدِيثًا يُسْتَظْرَفُ، فَيَسْتَحْلِي الْكَذِبَ الَّذِي لَيْسَتْ غَرَائِبُهُ مَعُوزَةً، وَلَا ظَرَائِفُهُ مُعْجِزَةً. وَهَذَا النَّوْعُ أَسْوَأُ حَالًا مِمَّا قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ مَهَانَةِ النَّفْسِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ. وَقَدْ قَالَ الْجَاحِظُ: لَمْ يَكْذِبْ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا لِصِغَرِ قَدْرِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ.

3- وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ دَوَاعِي الْكَذِبِ قَدْ تَرَادَفَتْ عَلَيْهِ حَتَّى أَلِفَهَا، فَصَارَ الْكَذِبُ لَهُ عَادَةً، وَنَفْسُهُ إلَيْهِ مُنْقَادَةٌ، حَتَّى لَوْ رَامَ مُجَانَبَةَ الْكَذِبِ عَسِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ طَبْعٌ ثَانٍ. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: مَنْ اسْتَحْلَى رَضَاعَ الْكَذِبِ عَسِرَ فِطَامُهُ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: لَا يَلْزَمُ الْكَذَّابَ شَيْءٌ إلَّا غَلَبَ عَلَيْهِ.

4- حب الترأس، وذلك أن الكاذب يرى له فضلا على المخبر بما أعلمه، فهو يتشبه بالعالم الفاضل في ذلك.


وأما أمارات الكذب فمنها:

1- أنك إذا لقنته الحديث تلقنه، ولم يكن بين ما لقنته (إياه) وبين ما أورده فرق عنده، أي أنه يخلط بين ما سمعه منك وما اخترعه من عنده.

2- أنك إذا شككته في الحديث تشكك حتى يكاد يرجع فيه.

3- أنك إذا رددت عليه قوله حُصر وارتبك، ولم يكن عنده نصرة المحتجين ولا برهان الصادقين.

4- ما يظهر عليه من ريبة الكذابين، ولذلك قال بعض الحكماء «الوجوه مرايا، تريك أسرار البرايا» وإذا اتسم بالكذب، نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة (أي الشائعات وما في حكمها) وأضيفت إلى أكاذيبه زيادات مفتعلة، حتى يصير هذا الكاذب مكذوبًا عليه فيجمع بين معرة الكذب منه، ومضرة الكذب عليه.

وقد وردت جملة كبيرة من الأحاديث في ذم الكذب وأهله نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

من ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».

وأخرجا عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».

وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنَّه قال:

«لأن يضعني الصدق- وقلَّما يضع- أَحب إليَّ من أن يرفعني الكذب، وقلَّما يفعل».

وعن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: «إذا حدثتكم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلأن أَخِرَّ من السماء أحب إليَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة».

وقال ابن مفلح في « الآداب الشرعية والمنح المرعية » (1/ 18):

« قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا: «لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ فِي الْمُزَاحِ وَيَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا».

وقال مسعر بن كدام يوصي ابنه كدامًا:

«إني منحتك يا كدام وصيتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق

أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق

إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جارا ولا لرفيق

والجهل يزري بالفتى وعمومه ... وعروقه في الناس أي عروق».

وفي «الفتح» (1/ 135): «قال إبراهيم التيمي: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كاذبًا».

وقال أبو عبد الله الإمام أحمد: «الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل».

وقال الذهبي في «الميزان» : «يطبع المسلم على الخصال كلها إلا الخيانة والكذب» .

وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى في «الفوائد»: «إياك والكذب؛ فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس» .

وقال- رحمه الله- : «فإن الكاذب يصور المعدوم موجودًا والموجود معدومًا. والحق باطلًا، والباطل حقًّا، والخير شرًّا والشر خيرًا، فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له، ثم يصور ذلك في نفس المخاطَب».

وقال –أيضًا- : «ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضًا- رحمه الله- : «إن أول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده، ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها أعمالها، يعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله، فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة».

وقال بعض الشعراء:

«وما شيء إذا فكرت فيه ... بأذهب للمروءة والجمال

من الكذب الذي لا خير فيه ... وأبعد بالبهاء من الرجال».


وللكذب مضار منها:

(1) الكذب وسيلة لدمار صاحبه أُمَمَا وأفرادًا.

(2) الكذب قد يؤدي بصاحبه إلى النار.

(3) الكذب سراب يقرب البعيد ويبعد القريب.

(4) الكذب يذهب المروءة والجمال والبهاء.

(5) الكذاب لص يسرق العقل كما يسرق اللص المال

(6) الكاذب مهان ذليل.

(7) الأمم التي كذبت الرسل لاقت مصيرها من الدمار والهلاك.

(8) يورث فساد الدين والدنيا.

(9) دليل على خسة النفس ودناءتها.

(10) احتقار الناس له وبعدهم عنه.

(11) يمقت نفسه بنفسه ويحتقرها.


نسأل الله أن يعيذنا من الكذب وأهله، وأن يجعلنا من أهل الصدق والتقوى، وأن يغفر لنا ما كان مِنَّا من الكذب متعمَّدًا أو خطأً، والمعصوم من عصمه الله.

وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين


وكتب:

ليلة الثامن عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمئة وألف من الهجرة

أبو موسى الأردني

أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة

-غفر الله له ولوالديه-

آمين



([i]) انظر: «لسان العرب» وغيره من المعاجم مادة: (ك ذ ب).
([ii]) انظر: «كشاف اصطلاحات الفنون» (3/ 1243) .
__________________
ملاحظة: استفدت أكثر مادة هذا المقال من كتاب: «نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم»، مع زيادة وتصرف.