19‏/07‏/2016

تحزيب السلف للقرآن

#‏تحزيب_السلف_للقرآن‬
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبة والتابعين، أما بعد:
أخرج البخاري في صحيحه برقم: (5054) عن عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرإ القرآن في شهر» قلت: إني أجد قوة، حتى قال: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك».
وقد روي عن الصحابة أنهم كانوا يحزبون المصحف إلى سبعة أجزاء والأثر فيه ضعف كما قال الشيخ الألباني، وهو ما أخرجه أبو داود في سننه برقم: (1393) عن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن، قالوا: «ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده».
قال شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في مجموع الفتاوى (13/ 409) معلقًا على حديث أوس بن حذيفة:
«وهذا الحديث يوافق معنى حديث عبدالله بن عمرو في أن المسنون كان عندهم قراءته في سبع؛ ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ولم يجعلوه ثلاثة ولا خمسة وفيه أنهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر» اهـ.
وهذا التحزيب بالسور الذي ورد في أثر أوس وذكره شيخ الإسلام وذكر أنه نُقل بالتواتر يكون على النحو التالي لمن أراد أن يختم في سبعة أيام:
1- من أول سورة الفاتحة إلى ختم سورة النساء. (من ص1، إلى ص106).
2- من أول سورة المائدة إلى ختم سورة التوبة. (من ص106، إلى ص207).
3- من أول سورة يونس إلى ختم سورة النحل. (من ص208، إلى ص281).
4- من أول سورة الإسراء إلى ختم سورة الفرقان. (من ص282، إلى ص366).
5- من أول سورة الشعراء إلى ختم سورة يس. (من ص367، إلى ص445).
6- من أول سورة الصافات إلى ختم سورة الحجرات. (من ص446، إلى ص517).
7- من أول سورة ق إلى ختم سورة الناس. (من ص518، إلى ص604).

وهذا هو التحزيب الأفضل لثبوته عن أصحاب النبي ﷺ.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء السؤال التالي من الفتوى رقم (2450):
السؤال:
هل يجوز تحزيب القرآن يعني: عند تلاوته؛ لما في ذلك من تغيير لأقواله تعالى ومنه الزيادة والنقصان، وهذا ما شهدناه في بعض مناطق المغرب العربي -أقول- هل يجوز ذلك؟

الجواب:
لا نعلم شيئا يدل على التحزيب المثبت على هوامش المصاحف التي بيد الناس اليوم، والوارد عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك ما رواه أوس بن حذيفة قال: (سألت أصحاب رسول الله ﷺ: كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلات عشرة وحزب المفصل وحده، وبأنه ثلاث: البقرة وآل عمران والنساء، وخمس: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة، وسبع: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل، وتسع: الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان، وإحدى عشرة: الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان وألم السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس، وثلاث عشرة: الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات، ثم بعد ذلك حزب المفصل وأوله ق) .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

قال أبو موسى غفر الله له: وهذا التحزيب بالسور والختم بسبع لو التزمه طالب علم موفق لكان يختم في السنة خمسين مرة! وهو مما يعينه على حفظه في مدة يسيرة ولو أنك قرأت كتابًا خمسين مرة لجرت ألفاظه على لسانك عند أدنى استحضار، فلا تبخل على نفسك بهذا الخير العظيم فالحرف بعشر حسنات وهذا الإدمان للقراءة خير من كل كتاب في الدنيا لأنه كتاب ربك وفيه كلامه المبارك وهو حبل الله الذي بينك وبينه إلى يوم القيامة، والله الموفق لا رب سواه ولا معبود حق غيره!
أحمد
14 / 10 / 1437هـ

18‏/07‏/2016

بعد الحدث التركي!

#‏بعد_الحدث_التركي‬
قال رسول الله ﷺ: " لزوال الدنيا جميعاً أهون على الله -تبارك وتعالى- من دم امرئ مسلم يسفك بغير حق"، أو قال: "يقتل بغير حق". صححه الألباني.
المؤمن الحق لا يفرق بين دم ودم، فالمسلم التركي والصيني والروسي والعربي وغيرهم له ذات الحكم في الشرع من كونه دمًا حرامًا، فمن يفرق بين دم مسلم ودم مسلم آخر منكوس الفطرة والعقل، ومصاب بداء خطير؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن دماءكم وأموالكم ... عليكم حرام" الحديث ولم يفرق ﷺ بين عربي وأعجمي ولا بين أسود وأحمر!
فالحمد لله على أن هدانا للإسلام.

الأصل في الشريعة الإسلامية ومنهجها الأصيل أنها لا تتلون ولا تتغير -في أصولها وثوابتها العامة- بحسب الجنس والعرق بل تعامل الجميع بمعيار واحد في الأصول وبحسب ما تقتضيه مصلحة الكل لا مصلحة الفرد او الرهط، وعليه لما تأمر الشريعة بطاعة الحاكم المسلم وتنهى عن الخروج عليه ولو بالكلمة فهي لا تصرف هذا الأصل لحاكم دون غيره، فإذا ثبت إسلام الحاكم ثبت له حكم الطاعة بالمعروف ونُهي عن الخروج عليه ولو بالكلمة، أما من يس على الإسلام منهم فلا سمع له ولا طاعة إلا إن كان متغلبًا فيدارى ويُتَّقى شره حفظًا للدماء والأموال والأعراض، وهذا أصل لا يختلف فيه من عرف الدين الصحيح.
انقسمت الأمة وتفرقت بعد القرون الثلاثة المفضلة وقد أخبر بذلك النبي ﷺ وبيَّن أنها تنقسم إلى فرق عديدة ليست على منهاج النبوة وأن الأمر سيكون فيه أثرة وتبديل وتغيير ينكره المؤمنون، فأمر ﷺ بالصبر على جور الولاة وعلى استئثارهم بالدنيا ونهى عن الخروج عليهم بالسيف وبغيره، وبين ﷺ للأمة أن عليها ما حُمِّلت وعلى الولاة ما حُمِّلوا.. فقبل أهل المنهج الصحيح هذا الأمر من نبيهم ﷺ واعتقدوه وتدينوا به عبر العصور المديدة من التاريخ الإسلامي وكانوا العقبة الكؤود في وجه الفرق التي تريد سفك الدماء وتقويض الدول ولو على حساب أبناء جلدتها، فوقفت الفرقة الناجية بسلاحها الذي لا ينبو -الكتاب والسنة- في وجه الفرق الإسلامية وفي وجه مخططاتها.. وما زالت إلى يومنا هذا تنافح وتذود عن المنهج النبوي الذي صلحت به الدنيا وساد الإسلام بسبب التمسك به أصقاع الدنيا حتى ذلت فارس والروم وإفريقية!
خرجت فرق كثيرة على مر التاريخ الإسلامي وكان شعارها الانقلاب على السلطة وتولي الحكم بدلًا عنها ثم تخرج من المُنقلبة أخرى فتخرج على الخارجة وهكذا دواليك!
والعلماء الربانيون ينهون عن هذا العبث الذي ليس فيه إلا سفك الدماء وتطميع الأعداء في بلاد المسلمين واستباحة بيضتهم، إلا أنهم يأبون إلا الخوض في بحار الدم والأشلاء، والله المستعان.
وكان هذا جميعه قبل شيوع وسائل الإعلام الحديثة فقد كانت معرفة مذاهب الرجال وتوجهاتهم وتناقضاتهم أمرًا من الصعوبة بمكان، وأما اليوم فقد تبدَّا للجميع الخبر وأصبح جمع المعلومات بضغطة زر!
فمن السهل معرفة المتلون ومعرفة الثابت لمن أراد أن يُعمل عقله ولا يسلِّمه لحزب أو جماعة!

ابتليت الأمة الإسلامية منذ مئة عام بجماعة اعتبرت أن المجتمعات ليست من الإسلام في شيء ووضعت لنفسها أصولًا وثوابت اعتبرت من لم يلتزمها فلا حظ له في الإسلام فإما معنا وإما ضدنا!
وكبرت الجماعة وأنشأت لها دورًا وجعلت من شعارها الذي تصطاد به الناس قولهم: (الإسلام هو الحل)، فبادر الناس إلى الالتحاق بهذه الجماعة وحدانًا وزرافات حُبًّا في الإسلام وإرادة لنصره وإعلاء كلمته، في ظل انتشار للمنكرات في بعض البلاد، مع استغلال للحدث وركوب للموجة من قبل هذه الجماعة ما صوَّر الأمر للجهلة بأنها حرب بين الإسلام والكفر!
فغرق في بحر الفتن أقوام كثير من غير معرفة لدعوة الإسلام الصافية الأصيلة القائمة على العلم والتوحيد..
وقد اتخذت الجماعة دعاة ولمَّعتهم وصدَّرتهم وقدَّمتهم للأمة على أنهم هم العلماء الواجب اتباع أقوالهم والصدور عن آرائهم!
وقد كان.. والله المستعان.

استطاع الدعاة المُلَمَّعون أن يأسروا قلوب الناس بأسلوبهم الخطابي التثويري وبقصصهم وأصبحوا مخولين بشيطنة دولة ما ورفع دولة أخرى وهذا بحسب التوجه العام للجماعة وبحسب محطاتها وإعانتها من قبل تلك الدول لتولي مقاليد الحكم بأي وسيلة كانت ولو على أشلاء الناس!
فاستطاعوا أن يُثوِّروا الناس في عدة بلدان عربية وقامت الثورات وهُدمت بيع وصوامع يذكر فيها اسم الله، باسم نصرة الدين وهزيمة العلمانيين أعداء الملة والدين!
ثم شاء الله أن تتسلم الجماعة الحكم في مصر الكنانة -حرسها الله-، وفرح من فرح بذلك النصر المؤزر! وانتظر الناس تطبيق الشريعة وإزالة المنكرات وتحقيق الوعود التي لهجت بها الجماعة في أرض مصر.. إلا أنه لم يحصل شيء من ذلك وخاب ظن المؤيدين!
بل حصل أن دنس الرافضة بمباركة الجماعة أرض مصر ورفع أحمدي نجاد الصفوي علامة النصر من الأزهر!!
إذن كانت الشعارات والكلمات الرنانة وانتفاخ الأوداج حيلة لجلب دعم العامة للوصول إلى الزعامة!
ولكن الله قدر أن زالت دولتهم في عام واحد بعد أن انكشف للمخدوعين كذب هذه الجماعة، وأخذ الدعاة المدعومون باستجلاب الأعذار (الدولة العميقة، الشبيحة، البلطجية، المؤامرة، الدولة الفلانية، والدعم الفلاني...إلخ).

أنشئت قنوات وإذاعات فاحت بالتكفير والتخوين والاتهام بالعمالة للحكام وللعلماء، ووصفوهم بأبشع الأوصاف، واستغلوا -وما زالوا- الفساد المالي الموجود في الكثير من الدول فداعبوا مشاعر الناس بهذا الوتر الحساس، فالناس في ضائقة شديدة وفقر منتشر وهناك فساد متمثل بسرقة أموال الدول من قبل بعض المتنفذين.. إلخ.
طبعًا مع عدم حكم بالشريعة في غالب الدول الإسلامية، فوصفوا الحكام بالكفر والردة بغير الضوابط التي جعلها العلماء لإنزال الأحكام من ثبوت شروط وانتفاء موانع، ووصفوا من لا يكفر الحكام بالمرجئة وغلاة الطاعة ووصموهم بالانبطاح تحت أقدام الحكام، ولاعقي أحذيتهم!
نعم هذا هو الحال ..

تركيا.. كانت لاعبًا محوريًا بالنسبة للجماعة ودعاتها، وهي دولة علمانية تنص في دستورها غير القابل للتعديل أو حتى اقتراح التعديل! أن الدولة علمانية=(لا إسلامية)، بخلاف دولنا الإسلامية فتنص دساتيرها على أن دين الدولة الإسلام. (احفظ هذه النقطة)!
قامت الحكومة التركية بمداعبة جماعة الإخوان ودعمها واستضافة الهاربين من أفرادها والاحتفال بدعاتها حتى تمكن حُبها من شغاف قلوبهم مع ما يرونه فيها من منكرات لا يوجد عشرها في بلادهم التي يحرضون على خرابها!
بيوت دعارة مرخصة، وخمارات بالآلاف، وعُري، وزنا، وخنا، تصوف وحدة الوجود، زواج مثليين... إلى غير ذلك من المنكرات التي يعرفها الناس والتي لا يعرفونها!
وبعض هذه المنكرات موجودة في بلدان دعاة الجماعة وبعضها غير موجود وبعضها ظاهر وبعضها خفي، مع فساد لا تخلوا منه أمة من الأمم طالما هناك حب للمال وغفلة عن الآخرة.. فماذا كان موقف هؤلاء الدعاة؟

ماذا كان موقف دعاة السلفيين من علماء وطلبة علم على الأحداث التركية، وما هو موقفهم من حكوماتهم في بلدانهم؟
وماذا كان موقف دعاة الإخوان وأبواقهم على الأحداث التركية، وما هو موقفهم من حكوماتهم في بلدانهم؟
موقفان يجب على كل صادق مع نفسه أن يتأملهما جيدًا ليُعلم المحق مِن المبطل، والمصلح من المفسد..
موقف السلفيين علماء ودعاة كان موقف ثبات على الأصول والمنهج النبوي الأصيل فلم يتلونوا ولم يداهنوا رغم أن بعض بلدانهم ضد الحكومة التركية وضد توجهاتها، وكثير منها في معركة سياسية معها، فكان لسان الشرع هو الحاكم على ردود أفعال العلماء والدعاة السلفيين، ومعرفة فقه الأولويات هو سيد الموقف لديهم فما كانوا ليفرحوا بانقلاب يقوده أعداء الملة والدين ولا أن يسوغوه فتركيا -بصرف النظر عن حكومتها- دولة مسلمة غالبية سكانها مسلمون ينتمون للأمة المحمدية فبيننا وبينهم رحم الإسلام التي جمعت الفرقاء واحتوتهم، فكيف يفرح مسلم لترويع ولا أقول قتل مسلم آخر ولو كان من أوضع الناس وأكثرهم معصية؟!!
السلفيون أعملوا نصوص الشرع في طاعة الحاكم والنهي عن الخروج عليه في بلدانهم ومع حكوماتهم، وفي بلدان غيرهم ومع حكوماتها، فنهوا أولئك كما نهوا أهلهم وعشيرتهم لأن الأصل واحد هو عصمة الدم المسلم.

تُرى ماذا كان موقف دعاة الإخوان؟
لمز دعاة الإخوان الدعاةَ السلفيين بغلاة الطاعة وبمرجئة الحُكام تنفيرًا عنهم وتزهيدًا فيما يحملونه من المنهج السلفي القائم على العلم والرحمة، فأجلبوا بخيلهم ورجلهم على حكوماتهم وأظهروا كل نقيصة ودفنوا كل مليحة، وثوروا أبناء قومهم على جيوشهم وأزبدوا وأرعدوا حتى ملئوا الدنيا صياحا وعويلًا وتخوينًا للأمة حكومات وشعوبًا، وحملوها جريرة ما قاموا هُم به من تثوير الناس وإخراجهم على حكوماتهم حتى دُمرت البلاد وذُبحت العباد! بحُجَّة عدم حكمهم بما أنزل الله، وتعطيل الشريعة ونبذ الحدود!
وفي المقابل عظموا تركيا وحكومتها وأظهروها بمظهر قشيب حتى ليظن القارئ والسامع أنهم يتكلمون عن دولة ابن الخطاب أو دولة عمر بن عبدالعزيز!
صوِّر الأمر أنه نصر للإسلام والمسلمين، وأن تركيا هي المثال الذي يجب أن تكون عليه دولنا الإسلامية، ولم يجدوا بُدًّا من تعظيم سلطان تركيا وإظهاره بمظهر الحاكم المؤمن المسلم الزاهد العابد القارئ للقرآن!!
هذا الاحتفال بتركيا وتصويرها بصورة دولة الإسلام الوحيدة صاحبه إغماض متعمَّد لكل رزية فعلتها دولة الترك ففي حين كانوا يُكفرون حكام بلادهم لأجل التطبيع مع يهود، ما نبزوا ببنت شفة عن التطبيع الكامل بين تركيا ودولة يهود!
وفي حين كانوا يزندقون الدول التي تقف ضد الثورة السورية أخرست ألسنتهم عن عرض التعاون الكامل من قبل الترك مع دولى الأسد!
أشبعونا نياحة ولطمًا على انتهاك حرمات الله من بيع الخمر في الخمارات والملاهي الليلية والتعري في بلادنا ولم نسمع أي شيء مقابل ما يوجد في دولة الترك من منكرات تفوق بلادنا بمراحل!
كانوا يستهزؤون بطاعة السلفيين لحكوماتهم في غير معصية، وأصبحوا يطالبون بالطاعة ويحرمون الخروج على تركيا، بل ذهب أح دعاتهم يطالب السلفيين بأحاديث السمع والطاعة لأجل الانقلاب الذي حصل في تركيا!!

تأمل أخي القارئ ولا تتعجل، فوالله إن هذا هو الواقع المرير .. واقع من لعب باسم الدين على عقول الناس وقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا!
بعد هذا السرد الذي ذكرته، وبصرف النظر عمن يوافقني فيه ممن يخالفني، أقول مستخلصًا بعض الأمور:
غالب الحكومات التي شعوبها مسلمون يحكمون بغير ما أنزل الله من الأحكام الوضعية وغيرها، ولهذا الأمر ظروفه وأسبابه المعروفة تاريخيًا لكل دارس، ومن ضمن هذه الحكومات الحكومة التركية -سددها الله للحق- فلماذا يعاملها دعاة الإخوان وكأنها القائمة بأمر الله، والحامية لحمى الشريعة؟!
حقيقة أنا في حيرة شديدة وعند المقارنة والنظر أجد:
- حكومات عربية لا تحكم بالشريعة وليس في دساتيرها أنها دولة علمانية بل تنص على أن دين الدولة الإسلام، وعندها وزارات للأوقاف والإفتاء وتحكم الشريعة في الأحوال الشخصية وفي التعزيرات لا الحدود، الدعاة يطالبون بإسقاط أنظمتها ويظهرون سيئاتها ويضخمونها، ويتهمونها بالموالاة لليهود والأمريكان والشرق والغرب ومحاربة الإسلام وأهله، ويطلقون عليها وصف الطاغوتية!
- الحكومة التركية لا تحكم بالشريعة كذلك بل ينص دستورها على العلمانية ويمنع من تقديم طلب لتعديل الدستور حتى! والحياة المدنية فيها قائمة على العلمانية الخالصة في المعاملات والأحوال الشخصية حتى أنها لا تعتبر الزنا جنحة يعاقب عليها القانون، الدعاة يحتفلون بها وينصرونها ويعلون من شأنها ويدعون لاستقرارها وأمنها، ويصفونها بالإسلامية!
أليس من العدل والعقل أن يعامل الجميع سواء بسواء؟!
لماذا هذا التناقض البغيض؟!

السلفيون لا يكفرون الناس جُزافًا ولا يُلقون الأحكام بحسب التوجهات الحزبية ولا بحسب من يدفع أكثر؛ لأن الغرض من الدعوة هو إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بالدعوة إلى التوحيد الخالص، ومناصحة الولاة بالطريقة الشرعية ليُحكِّموا شرع الله في الناس، وأما الأرض وحُكمها فهو بيد الرب -تبارك وتعالى- يورثه من يشاء من عباده..
ولسان حال الحزبيين من المتأسلمين، نريد إخراج الناس من طاعة من لا يحكم بالشريعة إلى طاعة من لا يحكم بالشريعة!!
وهذا بحد ذاته حكم بغير ما أنزل الله، فهل عند الإخوان المسلمين ودعاتهم من يستطيع نقد جماعته لأنها لا تعير التوحيد أي اهتمام بل تعتبره مفرقًا للأمة، وهم إنما يريدون دعوتها للتوحيد ولكن تحت راية الحزب لا غير!

السلفيون يحبون لتركيا ولغيرها أن يصلح الله أحوالها وأن يعم الشرع أرجاء المعمورة ولكن يريدون شرع محمد بن عبدالله ﷺ لا شرع غيره من الأحزاب التي تدعي انحصار دعوة الله فيها!
بل السلفيون يحبون الخير لكل الناس مسلمهم وكافرهم يهوديهم ونصرانيهم ومجوسيهم ووثنيهم، وهذا الخير متمثل بالدعوة إلى توحيد الإله الذي لأجله خلق الله السماوات والأرض والجن والإنس، ولا يعني الرد والنقد للجماعات الإسلامية أننا نكفرها أو نحكم عليها بالردة معاذ الله من ذلك، ولكن هذا من واجب النصيحة المأمور به شرعًا.. إلا أنك ترى من المنسوب للإسلام حربًا عليك وتجهيلًا لك ولدعوتك، ووصمًا لك بأوصاف التنفير والتشنيع لكي لا يسمع منك الناس ولكي لا تنفر الناس عن هذه الأحزاب ولتبقى الغشاوة.. وتجدهم يتلطفون بكل مخالف لهم ويعتبرونه خلافًا فكريًا محتملًا إلا إذا جاء من جهة السلفيين فهو خلاف غير سائغ ولا يمكن القبول به ولا يجوز السكوت عنه!
وعند الله تجتمع الخصوم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!
والسلام.
13/ 10 / 1437هـ
أحمد