(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ...
ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!
(الحلقة الرابعة)
(هل كانت
المعتزلة ترنوا للارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وهل قدس السلف الروايات الآمرة
بالطاعة وهل ما تستدل به (المعتزلة) صحيح مقبول عند الأئمة كما يزعم الدكتور
الغرايبة؟!)
ما
يكاد الدكتور أن ينتهي من فقرة مليئة بالأوهام والمُغالطات والأخطاء الاعتقادية
والمنهجية إلا ويأتي بفقرة أشد نكارة وأعظم تجنيًا وأبعد عن المنهج العلمي الصحيح
ويبدو للقارئ مدى الحنق الذي تفور به نفس الكاتب والبغض النابع من العقلية
الاستعلائية التي تلازم كل من تدثر بدثار (التفكير) ووصف بالـ(ـمفكر) وكأنه ينظر
إلى الناس -والسلفيين تحديدًا- من قصر عاجي وكأن الله وهبه العقل وحده ونزعه من
ملايين عبر القرون من أتباع منهج السلف الصالح أهل الحديث فيكرر في مقالاته وصفهم
بالـ: «السلفيين
الاستنساخيين»، وقد قدمت سابقًا أن الدكتور متأثر بعدة مدارس منحرفة
(شيوعية، وبعثية، وإباضية، وقطبية، وتحريرية، و..)، فهو للأسف -وعلى خلاف ما يريد
أن يُظهر ذاته- يخبط خبط عشواء فيعمل عمل حاطب الليل فلا يدري أَجَمَعَ عودًا أم
حمل أفعى!
في
الفقرتين الأخيرتين للدكتور في مقاله: (المعتزلة) يحاول إظهار مسألة قد استقر
خلافها في وجدان الأمة علماءً وعوامًا من أن المعتزلة مدارس متعددة كلها تصب في
بوتقة واحدة ألا وهي بوتقة: (هدم السنة، بهدم علم الحديث رواية ودراية) مع زعمهم
أنهم يقتصرون بالفهم والأخذ عقيدة وفقهًا -إن كانَ ثمَّة شيء من ذلك!- عن المتواتر
القطعي الذي لا يُخالف العقل الصحيح فإذا وجدوا خلاف ما تهوى أنفسهم قالوا يخالف
العقل أو يخالف القرآن فيقدمون العقل على النقل ولو اجتمعت الأمة على قبوله والأخذ
به قرونًا متطاولة!، فقال:
إن أهم انجازات المعتزلة كان الارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وتقديمه
على النقل، وجاء ذلك للرد على ما شاع في زمنهم من تقديس للروايات التي كان ينتقى
منها ما يوافق مقولات جوقة المطبلين للحكام.
وكانت حجة المعتزلة هو الحديث المشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من
كان قبلي فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس
عني".
لذلك انصبت جهود السلفيين الاستنساخيين على تكذيب هذا الحديث، وتمكنوا من
تضعيفه وتصنيفه بأنه موضوع.
قال
أبو موسى:
أهل
السنة لا يعارضون العقل، بل يرون أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح. لكنَّ
(المعتزلة) جعلوا العقل حاكمًا على النصوص، فإذا تعارض النص مع قواعدهم العقلية
أوّلوه أو ردوه، وزاد الدكتور استهزاءه بمن يعتمد الحديث الصحيح من أئمة الدين عبر
العصور فأسماهم «السلفيين الاستنساخيين»! فنتج عن هذا
الاستخفاف أن أنكروا أو أوّلوا -أعني المعتزلة- كثيرًا من نصوص الصفات، كرؤية الله
يوم القيامة، وكشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وغير ذلك من العقائد المستقرة عند
أئمة الإسلام يتوارثونها كابرًا عن كابر!.
فكبار
علماء السنة كالإمام الشافعي، والبخاري، وأحمد، وابن تيمية وغيرهم المئات استخدموا
الأدلة العقلية والمنطقية في الرد على المخالفين، لكنهم رفضوا جعل العقل مقدمًا
على النص القطعي.
فالخلاف
مع (المعتزلة) وأفراخهم لم يكن حول قيمة العقل، إذ كيف يُختلف على آله الفهم ومناط
التكليف؟! وإنما كان الاختلاف حول من يحكم الآخر: آلعقلُ أم الوحي؟
عن الإمام عبدالله
بن المبارك رحمه الله، قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد؛ لقال من شاء ما شاء» رواه
مسلم في مقدمة «صحيحه».
وهنا لا بُد من
بيان بعض المسائل ومنها:
1-
أحاديث طاعة ولاة الأمر لم يتم انتقاؤها موافقة سياسية أو تزلفًا إلى الحكام كما
يزعم الدكتور!
فهذا
تعميم بلا دليل، و(سواليف حصيدة) كما تقول الفلاحيين، فكثير من أحاديث السمع
والطاعة ثابتة في أصح كتب السنة، ورواها صحابة متعددون، وبعضها روي وتناقله
الحُفاظ من السلف قبل قيام الدولة الأموية أصلًا.
زد
على ذلك أن علماء الحديث أنفسهم كانوا من أكثر الناس تعرضًا للأذى من الحكام في
زمانهم، فلا يصح في العقول أن يوصف هؤلاء بأنهم -مع ما لاقوه من أذى من أمراء
زمانهم- أنهم ينتقون ويقدسون روايات توافق جوقة المطبِّلين للحكام على حد زعم
الكاتب بل الأحرى أن يوصف بهذه الأوصاف علماء السلاطين من (المعتزلة) وأفراخهم ممن
استعدى الدولة على أهل الحديث، فتأمل!
2-
الاستدلال بحديث «اعرضوا حديثي
على كتاب الله»:
حديث
أخبر الكثير من العلماء بأنه من وضع الملاحدة والزنادقة فهو حديث لا إسناد له يصح
إلى رسول الله ﷺ، ولو أتعب الكاتب نفسه قليلًا لرأى أنه ينسب إلى المعتزلة دليلًا
على مذهبهم العقلي من حديث لا يوافق طريقتهم في قبول الأخبار فتناقض من حيث لا
يشعر، فهذا الحديث عند البحث عن مصدره تجده مرويًا في كتب المعتزلة ومن ورثهم من
الفرق الإسلامية كالإباضية! فقد ورد الحديث في «مسند
الربيع»
والذي حشاه مُسنِدُهُ بالأكاذيب والموضوعات وما هب ودب من تكفير للمسلمين حتى فيما
هو جائز شرعًا فتعجب أن الخوارج الإباضية يُكفرون المرأة التي تطلب الخُلعَ من
زوجها مع أن الخُلع أمر متفق على جوازه عند أئمة المسلمين، ولك أن تتأكد أن الكاتب
ينقل بلا تمحيص ولا نظر أن الحديث الذي جعله أًس منهج المعتزلة قد روي في (باب
الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رحمه الله) برقم: (22)، طبعة مكتبة مسقط وفي
المرفقات صورة الباب والحديث المروي فيه، فهو إذن من المقاطيع -كذاَ- يعني أن
الإسناد منقطع بين جابر بن زيد وبيم النبي ﷺ، فكيف يصح في العق الأخذ بما لا إسناد
له يُقبل؟!
والمقام
لا يتسع لسبر وإيراد أقوال العلماء من السلف في الحكم على هذا الحديث فهي أكثر من
أن تُحصى، وعليه فقول الدكتور: (لذلك انصبت جهود «السلفيين
الاستنساخيين» على
تكذيب هذا الحديث، وتمكنوا من تضعيفه وتصنيفه بأنه موضوع) قول ظالم جائر لا يستند
إلى علم صحيح ولا إلى فهم حقيقي لمنهج العلماء في قبول الروايات أو ردها فعلى
الدكتور أن يختلي بنفسه قليلًا ويرجع إلى ربه بالدعاء والرجاء لعله يهديه إلى الحق
بدل أن يتهم أمة من المسلمين بما ليس فيهم فيحمل أوزاره وأوزارهم وأوزار من يُضلهم
ممن يتابعه ويصفق له!
وختامًا:
ينبغي
التنبيه إلى أن مُعاداة السلف ومن تبعهم للمعتزلة ليست مُعاداة من أراد أن يُفعل
دور العقل ويرفعه بل لأن الاعتزال بمدارسه وتفرعاته إنما وجد لهدم المنظومة
الاعتقادية ومنهج التلقي عن أهل العلم ليفسح المجال لكل مهوَّس أن يقول في دين
الله ما يشاء فمن أهم محاور وانحرافات المعتزلة قولهم:
• بتقديم
العقل على النص عند التعارض.
• القول
بخلق القرآن.
• نفي
كثير من صفات الله أو تأويلها.
• إنكار
رؤية الله في الآخرة.
• إنكار
الشفاعة للعصاة أو تقييدها.
• القول
بوجوب إنفاذ الوعيد على الله على أصحاب الكبائر.
وغيرها
العشرات من المسائل ومن تفرعات لهذه العقائد التي تناقض عقائد المسلمين.
وعليه،
فإن مقال الدكتور هاشم يقدم قراءة أحادية تميل كل الميل إلى تمجيد (المعتزلة)
وإدانة مخالفيهم والتجني عليهم -ظلمًا وعدوانًا-، بينما تُظهر المصادر التاريخية
أن الصورة أكثر تعقيدًا؛ فقد وقع توظيف الدين لخدمة السلطة في فترات مختلفة من عمر
الأمة ومن اتجاهات متعددة ولعل أقرب مثال عليها (الإخوان المسلمون) في مصر وتونس
فإنهم بعد ردح من الزمان كانوا يُنكرون فيه أحاديث السمع والطاعة ويهزؤون بمن يأخذ
بها اتباعًا لسنة النبي ﷺ صاروا -بعد الوصول إلى الحكم- يقولونها ويأخذون بها
ويأمرون الناس بالتزامها!، كما أن المعتزلة أنفسهم، حين امتلكوا النفوذ السياسي
زمن العباسيين، مارس بعض رموزهم -كأحمد بن أبي دؤاد- الإكراه العقدي ضد مخالفيهم،
وهو ما جعل فتنة خلق القرآن إحدى أبرز المحطات في تاريخ العلاقة بين الفكر
الاعتزالي الحادث وبين السلطة في الحضارة الإسلامية.
هذا
ما تيسر لي من رد وبيان أسأل الله أن ينفع به أهل العقول الصحيحة وأن يهدي به من
امتلأ صدره غيظًا وحنقًا على من لا يصدرون إلا عن (قال الله) و(قال رسوله) و(قال
السلف)، فهذا هو ديننا الذي ندين الله به ونطرح كل مُخالف له عن عمد أو جهل، وقد
قال بعض السلف: «ما كنت لاعبًا بشيء فلا تلعبن بدينك»،
ونحن في هذا الزمن نواجع تيارات كثيرة (اعتزالية) وغيرها كلها ترمي أهل الحديث وهم
أتباع السلف الصالح في هذا الزمان بما رماهم به المنحرفون الأوائل من الخوارج
والجهمية والمعتزلة والأشاعرة وسائر الفرق الإسلامية وهؤلاء جميعًا يُلمحون أو
يصرحون بتكفير السلفيين والسلفيون لا يفعلون ذلك لعدم تحقق الشروط وانتفاء
الموانع، فالسلفيون أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق!
وصلى
الله على نبينا ممد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا
وكتب
تواصيًا بالحق وتواصيًا بالصبر ليلة الأربعاء 14 صفر 1448هـ
أحمد
بن عيَّاش أبو موسى الغرايبة
غفر
الله له ولوالديه وللمسلمين
آمين
آمين.