28/08/2026

حقيقة قصة عتبة بن أبي لهب وتنزيه مقام النبوة عن الإهانة!

 (حقيقة قصة عتبة بن أبي لهب وتنزيه مقام النبوة عن الإهانة)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،،

أما بعدُ:

فلقد حُفّت طريقُ الدعوة إلى الله بالعديد من الصعاب والمشاق، ولم يكن طريق رسول الله ﷺ مفروشًا بالورود. بل واجه في سبيل تبليغ رسالة ربه وإخراج الناس من الظلمات إلى النور صنوفًا قاسية من الأذى والابتلاء. فمنذ اللحظة التي جهر فيها بالدعوة إلى التوحيد وطرح عبادة الأنداد من دون الله في مكة، تصدت له العرب وعلى رأسهم عشيرته الأقربون قريش بكل ما أوتيت من قوة لمنع النور الذي جاء به وإيقاف الدعوة الإسلامية المُحمدية من الانتشار.

بيدَ أنه ﷺ مع تنوع الأذى الذي تعرض له فإنه واجه ذلك بإرادة صلبة، وعزيمة لا تلين. فقد تعرض -بأبي هو وأمي- للسخرية والاستهزاء، ورُمي بأبشع التهم الباطلة؛ فاتهموه بالسحر، والجنون، والكهانة، وسعوا جاهدين لتشويه صورته أمام القبائل الوافدة إلى مكة.

إلا أن القوم في سبيل إطفاء جذوة النور التي بيديه لم يكتفوا بالأذى النفسي واللفظي فمع تكثيرهم منه إلا أنه لم يسلم جسده الشريف من الاعتداءات المباشرة؛ فرُمي بالحجارة في رحلته إلى الطائف حتى أدميت قدماه، ووُضع سلا الجزور=(أحشاء الإبل) على ظهره وهو ساجد يصلي عند الكعبة، وتكررت محاولات خنقه والاعتداء عليه في طرقات مكة.

حتى بلغ الأذى ذروته حين قاطعت قريشُ النبيَّ ﷺ وعشيرته من بني هاشم، وحاصروهم في "شِعب أبي طالب" لثلاث سنوات قاسية، مُنع عنهم فيها الطعام والشراب والتعامل التجاري، حتى اضطروا لأكل أوراق الشجر والجلود فما ضعُفت عزيمته ﷺ زلا شك في موعود الله له بالنصر والتمكين.

ورغم كل هذه المعاناة القاسية، ضرب النبي ﷺ أعظم الأمثلة في الصبر، والاحتساب، والرحمة. فلم يقابل الإساءة بالانتقام، بل كان يردد دائمًا دعوات الهداية لقومه. فلقد كان ثباته ويقينه بنصر الله هما الأساس المتين الذي صمدت عليه الدعوة حتى بلغت آفاق الأرض مشرقها ومغربها.

ولقد حفلت كتب التاريخ والسيرة بعشرات المواقف التي تأذى فيها ومنها نبينا الكريم ﷺ، وكان من ذلك الحادثة الشهيرة من تطليق أبناء أبي لهب -لعنه الله- لنات النبي ﷺ إعمالًا في التنكيل والإيذاء وقد وردت روايات لهذه القصة جاء فيها ما يُنكره أهل الإيمان ولا يرتضون روايته إلا على وجه البيان والنقد فما كل ما روي يُنشر ولا كل ما ورد في كتب السير والمغازي مقبول أو صحيح فعلماء هذا الشأن لم يكونوا يستحلون أن يتركوا شيئًا روي في شأن هذه الأمة إلى وأوردوه بإسناده إبراءً للذمة وخروجًا من الإثم لمقام الأمانة التي حملوها على عواتقهم وللميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم من البيان والدعوة، وقد قيل قديمًا: "مَنْ أَسْنَدَ فَقَدْ أَحَالَكَ" فالمحدث أو الراوي إذا ذكر لك الحديث أو الخبر مع إسناده بذكر رجاله الذين رووه وصولاً إلى النبي ﷺ أو إلى قائله، فقد أحالك وبرئت عهدته، وعليك أن تنظر في رواته وعدالتهم وإسناده واتصاله إلى غير ذلك من علوم هذا الشأن التي لها أهلها.

ولما انتشرت على ألسنة بعض الجهلة ممن يُسمَّون (مؤثرين) على وسائل التواصل في هذه القصة بالخصوص عبارات منكرة وسوء أدب كبير مع المقام الشريف يستوجب الاستتابة والعقوبة حفظًا للدين والعقل وصيانة للمجتمع من هذه الشطحات الشاذة التي تتتبع الغرائب وتروي العجائب دون فحص ولا تمحيص طلبًا للمشاهدات والإعجابات وتكثير سواد النسويات؛ فقد ثارت لأجل ذلك ثائرة أهل الإيمان واشتعلت في قلوبهم نار الغيرة على عرض النبي الكريم ﷺ وأنكروا ذلك أشد الإنكار لمقام النبي ﷺ في القلوب والنفوس.

وأصل القصة أن أبا لهب -لعنه الله- لما أنزل الله تقبيحه وشينه وتسويد وجهه في الدنيا والآخرة في سورة (المسد) هو وزوجه (حمالة الحطب) قام لذلك يحرض أبناءه على تطليق بنات النبي ﷺ ورضي الله عنهن وأرضاهن، فلما بلغ ذلك النبي الكريم ﷺ دعا على عتبة ابن أبي لهب بقوله: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك»، فافترسه الأسد في بعض أسفاره في الزرقاء من جند الأردن.

وقد جاءت القصة في كتب التاريخ والسير وفيها (اللفظ القبيح والفعل الشنيع من عتبة بن أبي لهب وهو أنه تفل عند الوجه الشريف)! وبعد النظر والرجوع إلى الأصول وجدت أن أول من ذكر هذه الحادثة هو أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ)، في كتابه: «أعلام رسول الله المنزلة على رسله» (ص246) حيث جاء فيه:

«ومن دعائه ﷺ دعاؤه على عتبة بن أبي لهب، وقال: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك»، فافترسه الأسد في بعض أسفاره»، وقد اقتصر على هذا القدر دون ذكر الفعل القبيح.

وكذا رواها المطهر بن طاهر المقدسي (المتوفى: نحو 355 هـ)، في كتابه: «المعارف» (1/ 125) حيث قال:

«وأما «أبو لهب بن عبد المطلب»، فاسمه: عبد العزّى. ويكنّى: أبا عتبة.. وولده: عتبة، وعتيبة، ومعتّب، وبنات. أمهم: أم جميل بنت حرب بن أمية، حمّالة الحطب، .. فأما «عتبة»، فكان رسول الله ﷺ زوّجه بنته «رقية»، فأمره «أبو لهب» أن يطلقها، ففعل. ودعا عليه رسول الله ﷺ فقال: «اللَّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك». فأكله الأسد في بعض أسفاره.

وهكذا اقتصر المقدسي على هذا القدر من القصة وهو القدر المتفق عليه عند جميع من أورد قصة دعاء النبي ﷺ على ابن أبي لهب، فتأمل!

ثم أورده أبو نعيم الأصبهاني (ت 430 هـ)، في كتابه «البدء والتاريخ» (5/ 42) في باب:

«ذكر دعواته المستجابة:

من ذلك دعاؤه.. على عتبة بن أبى لهب بعد ما طلق ابنته معاداة له وقد نزلت سورة النجم فقال -يعني عتبة-: أنا كافر برب النجم فقال النبيّ ﷺ: «اللَّهمّ سلط عليه كلباً من كلابك يمزق جلده ويمزع لحمه ويهشم عظمه» فلما سمع ذلك أيقن بالهلاك فارتحل من ساعته إلى الشام فرارًا من ذلك فلما كان في بعض المنازل أتاه السبع فاختطفه من بين أصحابه».

ثم قال في «دلائل النبوة» (ص454-455):

«حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ،

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتَيْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ وَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا، فَقَالَ ابْنُهُ عُتَيْبَةُ: وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَيْهِ فَلَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ».

ثم أورد الرواية الأخرى التي فيها (الفعل القبيح) فقال:

«وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَتِهِ الَّتِي حَدَّثَنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالُوا: كَانَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ (عُتَيْبَةُ)! بْنِ أَبِي لَهَبٍ فَطَلَّقَهَا فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ قَالَ: لَأَتِيَنَّ مُحَمَّدًا فَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ قَالَ: فَأَتَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (ثُمَّ تَفَلَ فِي وَجْهِهِ) ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنَتَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ».

وهذا الإسناد الأخير فيه يزيد بن زياد وقد قال البخاري عنه: (لا يُتابع على حديثه). وفي الإسناد مجاهيل فقد قال: عنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ (رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) ولم يُسم هؤلاء الرجال، وهي علة قادحة في الإسناد كما هو مقرر في أصول هذا العلم، ولعلك أخي القارئ الكريم تلاحظ اختلاف الرواة في الفاعل هل هو عتبة أم عتيبة فأما غالب من رواه فلم يذكروا إلا عتبه ولم يذكروا معه الفعل القبيح، وقد أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني في تحسين الرواية الأولى قوله في «فتح الباري» (4/ 39 ط السلفية):

«وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ». فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ. وَهُوَ (حَدِيثٌ حَسَنٌ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ عَنْ أَبِيهِ»، والرواية التي يشير إليها الحافظ هي:

«4028 - أخبرني أبو بكر بن أبي نصر المزكِّي بمَرْو، حدَّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدَّثنا العبَّاس بن الفضل الأنصاري، حدَّثنا الأسوَد بن شَيْبان، عن أبي نَوفَل بن أبي عَقرَب، عن أبيه قال: كان لهبُ بن أبي لهبٍ يَسُبُّ النبيَّ ﷺ، فقال النبي ﷺ: «اللهمَّ سلِّطْ عليه كَلْبَك»، فخرج في قافلةٍ يريد الشام، فنزلوا منزلًا، فقال: إِنِّي أخافُ دعوةَ محمدٍ، قالوا له: كلَّا، فحَطُّوا مَتاعَهم حولَه وقعدوا يَحرُسونه، فجاء الأسدُ فانتزَعَه فذهبَ به». انتهى من «المستدرك على الصحيحين» (4/ 716).

قال محققو المستدرك: حسن بشواهده -إن شاء الله-، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (6/ 129)، وهذا إسناد ضعيف جدًّا من أجل العبَّاس بن الفضل».

هذا وقد وردت القصة بغير ذلك من الروايات منها ما أخرجه القسطلاني في «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» (1/ 480)، حيث جاء في روايته:

«ويروى أن عتيبة لما فارق أم كلثوم جاء إلى النبى ﷺ فقال: «كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبنى ولا أحبك. (ثم سطا عليه وشق قميصه) وهو خارج نحو الشام تاجرًا. فقال ﷺ: «أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلبه».. وفي بعض المصادر أن التفل لم يقع على النبي ﷺ، فتأمل!

ومما يُقطع به أن الزيادة القبيحة لا تصح بإسناد سالم من العلة ولا هي من المشتهر المنقول عند من أورد القصة وعلى فرض ثبوتها فإن الرسول ﷺ محروس معصوم محفوظ بحفظ الله من أن يتجرأ كافر بالإقدام على إهانته -بأبي هو وأمي- من أن يناله مثل هذا الأمر فقد ردَّ الله عنه شيئًا من ذلك وهو ما رواه الإمام مسلم في «صحيحه» برقم: (2797):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ. قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ.

قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ.

قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟

فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا».

هذا الحادث الذي رواه الإمام مسلم وغيره من الأئمة حصل في العهد المكي حيث كان المسلمون في حالة الاستضعاف وكان جبابرة وعُتاة قريش يتسابقون في أيهم يُؤذي النبي ﷺ وأصحابه وبكل وسيلة متاحة بيدَ أن الله ما كان إذ كتب على نبيه الابتلاء في سبيله أن يقبل أن يُهان الرسول بأفعال قبيحة تحط من كرامته وتضع من مكانته حاشاه بل كان الله حافظًا له من هذا كله وخير دليل عليه قصة أبي جهل لعنه الله فرأى ما أفزع قلبه وزلزل كيانه من آيات الله في حماية جناب النبوة أن يُهان أو يُمتهن، فكيف بقصة ضعيفة فيها علل تقتضي طرحها وردَّها؟!

وختامًا:

وبعد هذا العرض لهذه القصة وبيان أنها لا تصح ولا تثبت على المسلمين أن يعرفوا لرسولهم قدره ومكانته وأن يصونوا سيرته عن كل رواية لا تصح ولا تثبت فما كل مروي صحيح فسلفنا لم يتركوا الأمر غُفلًا بلا إسناد بل بينوا الأسانيد والروايات وعلى الناظر فيها أن يُمحص ويختار الصحيح ويترك الباطل من المعاني والروايات التي ظاهرها الانتقاص من مقام النبوة الرفيع!

وعلى أولئك المتجرئين على مقام النبوة أن ينتهوا هو خيرًا لهم فانتقام الله من أعداء رسوله ﷺ ليس كانتقام أحد من العالمين كيف وقد قال -جل وعز-: {إنَّ شانئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}؟!

فالحذر الحذر من أخذ مثل هذه المرويات القبيحة لجعلها مادة لتجميع الناس أو إضحاكهم أو تزلفًا لفئة من الناس فيذهب الرجل ليبيع دينه بعرض من الدنيا قليل!

نسأل الله أن يردنا إلى دينه ردًّا جميلًا وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه وأن يهدي ضال المسلمين وأن يشرح صدورهم للإيمان وأن يزيننا بالتقوى إنه ولي ذلك والقادر عليه!

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

وكتب منتصف ربيع الأول سنة 1448هـ ، دفاعًا عن عرض النبي الأعظم والرسول الأكرم نبي الهدى ونبي الرحمة ﷺ،،

أبو موسى أحمد بن عيَّاش الغرايبة

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

آمين آمين!

 

 

29/07/2026

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)! (الحلقة الرابعة) (هل كانت المعتزلة ترنوا للارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وهل قدس السلف الروايات الآمرة بالطاعة وهل ما تستدل به (المعتزلة) صحيح مقبول عند الأئمة كما يزعم الدكتور الغرايبة؟!)

 

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!

(الحلقة الرابعة)

(هل كانت المعتزلة ترنوا للارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وهل قدس السلف الروايات الآمرة بالطاعة وهل ما تستدل به (المعتزلة) صحيح مقبول عند الأئمة كما يزعم الدكتور الغرايبة؟!)

ما يكاد الدكتور أن ينتهي من فقرة مليئة بالأوهام والمُغالطات والأخطاء الاعتقادية والمنهجية إلا ويأتي بفقرة أشد نكارة وأعظم تجنيًا وأبعد عن المنهج العلمي الصحيح ويبدو للقارئ مدى الحنق الذي تفور به نفس الكاتب والبغض النابع من العقلية الاستعلائية التي تلازم كل من تدثر بدثار (التفكير) ووصف بالـ(ـمفكر) وكأنه ينظر إلى الناس -والسلفيين تحديدًا- من قصر عاجي وكأن الله وهبه العقل وحده ونزعه من ملايين عبر القرون من أتباع منهج السلف الصالح أهل الحديث فيكرر في مقالاته وصفهم بالـ: «السلفيين الاستنساخيين»، وقد قدمت سابقًا أن الدكتور متأثر بعدة مدارس منحرفة (شيوعية، وبعثية، وإباضية، وقطبية، وتحريرية، و..)، فهو للأسف -وعلى خلاف ما يريد أن يُظهر ذاته- يخبط خبط عشواء فيعمل عمل حاطب الليل فلا يدري أَجَمَعَ عودًا أم حمل أفعى!

في الفقرتين الأخيرتين للدكتور في مقاله: (المعتزلة) يحاول إظهار مسألة قد استقر خلافها في وجدان الأمة علماءً وعوامًا من أن المعتزلة مدارس متعددة كلها تصب في بوتقة واحدة ألا وهي بوتقة: (هدم السنة، بهدم علم الحديث رواية ودراية) مع زعمهم أنهم يقتصرون بالفهم والأخذ عقيدة وفقهًا -إن كانَ ثمَّة شيء من ذلك!- عن المتواتر القطعي الذي لا يُخالف العقل الصحيح فإذا وجدوا خلاف ما تهوى أنفسهم قالوا يخالف العقل أو يخالف القرآن فيقدمون العقل على النقل ولو اجتمعت الأمة على قبوله والأخذ به قرونًا متطاولة!، فقال:

 

إن أهم انجازات المعتزلة كان الارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وتقديمه على النقل، وجاء ذلك للرد على ما شاع في زمنهم من تقديس للروايات التي كان ينتقى منها ما يوافق مقولات جوقة المطبلين للحكام.

وكانت حجة المعتزلة هو الحديث المشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس عني".

لذلك انصبت جهود السلفيين الاستنساخيين على تكذيب هذا الحديث، وتمكنوا من تضعيفه وتصنيفه بأنه موضوع.

قال أبو موسى:

أهل السنة لا يعارضون العقل، بل يرون أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح. لكنَّ (المعتزلة) جعلوا العقل حاكمًا على النصوص، فإذا تعارض النص مع قواعدهم العقلية أوّلوه أو ردوه، وزاد الدكتور استهزاءه بمن يعتمد الحديث الصحيح من أئمة الدين عبر العصور فأسماهم «السلفيين الاستنساخيين»! فنتج عن هذا الاستخفاف أن أنكروا أو أوّلوا -أعني المعتزلة- كثيرًا من نصوص الصفات، كرؤية الله يوم القيامة، وكشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وغير ذلك من العقائد المستقرة عند أئمة الإسلام يتوارثونها كابرًا عن كابر!.

فكبار علماء السنة كالإمام الشافعي، والبخاري، وأحمد، وابن تيمية وغيرهم المئات استخدموا الأدلة العقلية والمنطقية في الرد على المخالفين، لكنهم رفضوا جعل العقل مقدمًا على النص القطعي.

فالخلاف مع (المعتزلة) وأفراخهم لم يكن حول قيمة العقل، إذ كيف يُختلف على آله الفهم ومناط التكليف؟! وإنما كان الاختلاف حول من يحكم الآخر: آلعقلُ أم الوحي؟

عن الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله، قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد؛ لقال من شاء ما شاء» رواه مسلم في مقدمة «صحيحه».

وهنا لا بُد من بيان بعض المسائل ومنها:

1- أحاديث طاعة ولاة الأمر لم يتم انتقاؤها موافقة سياسية أو تزلفًا إلى الحكام كما يزعم الدكتور!

فهذا تعميم بلا دليل، و(سواليف حصيدة) كما تقول الفلاحيين، فكثير من أحاديث السمع والطاعة ثابتة في أصح كتب السنة، ورواها صحابة متعددون، وبعضها روي وتناقله الحُفاظ من السلف قبل قيام الدولة الأموية أصلًا.

زد على ذلك أن علماء الحديث أنفسهم كانوا من أكثر الناس تعرضًا للأذى من الحكام في زمانهم، فلا يصح في العقول أن يوصف هؤلاء بأنهم -مع ما لاقوه من أذى من أمراء زمانهم- أنهم ينتقون ويقدسون روايات توافق جوقة المطبِّلين للحكام على حد زعم الكاتب بل الأحرى أن يوصف بهذه الأوصاف علماء السلاطين من (المعتزلة) وأفراخهم ممن استعدى الدولة على أهل الحديث، فتأمل!

2- الاستدلال بحديث «اعرضوا حديثي على كتاب الله»:

حديث أخبر الكثير من العلماء بأنه من وضع الملاحدة والزنادقة فهو حديث لا إسناد له يصح إلى رسول الله ﷺ، ولو أتعب الكاتب نفسه قليلًا لرأى أنه ينسب إلى المعتزلة دليلًا على مذهبهم العقلي من حديث لا يوافق طريقتهم في قبول الأخبار فتناقض من حيث لا يشعر، فهذا الحديث عند البحث عن مصدره تجده مرويًا في كتب المعتزلة ومن ورثهم من الفرق الإسلامية كالإباضية! فقد ورد الحديث في «مسند الربيع» والذي حشاه مُسنِدُهُ بالأكاذيب والموضوعات وما هب ودب من تكفير للمسلمين حتى فيما هو جائز شرعًا فتعجب أن الخوارج الإباضية يُكفرون المرأة التي تطلب الخُلعَ من زوجها مع أن الخُلع أمر متفق على جوازه عند أئمة المسلمين، ولك أن تتأكد أن الكاتب ينقل بلا تمحيص ولا نظر أن الحديث الذي جعله أًس منهج المعتزلة قد روي في (باب الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رحمه الله) برقم: (22)، طبعة مكتبة مسقط وفي المرفقات صورة الباب والحديث المروي فيه، فهو إذن من المقاطيع -كذاَ- يعني أن الإسناد منقطع بين جابر بن زيد وبيم النبي ﷺ، فكيف يصح في العق الأخذ بما لا إسناد له يُقبل؟!

والمقام لا يتسع لسبر وإيراد أقوال العلماء من السلف في الحكم على هذا الحديث فهي أكثر من أن تُحصى، وعليه فقول الدكتور: (لذلك انصبت جهود «السلفيين الاستنساخيين» على تكذيب هذا الحديث، وتمكنوا من تضعيفه وتصنيفه بأنه موضوع) قول ظالم جائر لا يستند إلى علم صحيح ولا إلى فهم حقيقي لمنهج العلماء في قبول الروايات أو ردها فعلى الدكتور أن يختلي بنفسه قليلًا ويرجع إلى ربه بالدعاء والرجاء لعله يهديه إلى الحق بدل أن يتهم أمة من المسلمين بما ليس فيهم فيحمل أوزاره وأوزارهم وأوزار من يُضلهم ممن يتابعه ويصفق له!

وختامًا:

ينبغي التنبيه إلى أن مُعاداة السلف ومن تبعهم للمعتزلة ليست مُعاداة من أراد أن يُفعل دور العقل ويرفعه بل لأن الاعتزال بمدارسه وتفرعاته إنما وجد لهدم المنظومة الاعتقادية ومنهج التلقي عن أهل العلم ليفسح المجال لكل مهوَّس أن يقول في دين الله ما يشاء فمن أهم محاور وانحرافات المعتزلة قولهم:

          بتقديم العقل على النص عند التعارض.

          القول بخلق القرآن.

          نفي كثير من صفات الله أو تأويلها.

          إنكار رؤية الله في الآخرة.

          إنكار الشفاعة للعصاة أو تقييدها.

          القول بوجوب إنفاذ الوعيد على الله على أصحاب الكبائر.

وغيرها العشرات من المسائل ومن تفرعات لهذه العقائد التي تناقض عقائد المسلمين.

وعليه، فإن مقال الدكتور هاشم يقدم قراءة أحادية تميل كل الميل إلى تمجيد (المعتزلة) وإدانة مخالفيهم والتجني عليهم -ظلمًا وعدوانًا-، بينما تُظهر المصادر التاريخية أن الصورة أكثر تعقيدًا؛ فقد وقع توظيف الدين لخدمة السلطة في فترات مختلفة من عمر الأمة ومن اتجاهات متعددة ولعل أقرب مثال عليها (الإخوان المسلمون) في مصر وتونس فإنهم بعد ردح من الزمان كانوا يُنكرون فيه أحاديث السمع والطاعة ويهزؤون بمن يأخذ بها اتباعًا لسنة النبي ﷺ صاروا -بعد الوصول إلى الحكم- يقولونها ويأخذون بها ويأمرون الناس بالتزامها!، كما أن المعتزلة أنفسهم، حين امتلكوا النفوذ السياسي زمن العباسيين، مارس بعض رموزهم -كأحمد بن أبي دؤاد- الإكراه العقدي ضد مخالفيهم، وهو ما جعل فتنة خلق القرآن إحدى أبرز المحطات في تاريخ العلاقة بين الفكر الاعتزالي الحادث وبين السلطة في الحضارة الإسلامية.

هذا ما تيسر لي من رد وبيان أسأل الله أن ينفع به أهل العقول الصحيحة وأن يهدي به من امتلأ صدره غيظًا وحنقًا على من لا يصدرون إلا عن (قال الله) و(قال رسوله) و(قال السلف)، فهذا هو ديننا الذي ندين الله به ونطرح كل مُخالف له عن عمد أو جهل، وقد قال بعض السلف: «ما كنت لاعبًا بشيء فلا تلعبن بدينك»، ونحن في هذا الزمن نواجع تيارات كثيرة (اعتزالية) وغيرها كلها ترمي أهل الحديث وهم أتباع السلف الصالح في هذا الزمان بما رماهم به المنحرفون الأوائل من الخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة وسائر الفرق الإسلامية وهؤلاء جميعًا يُلمحون أو يصرحون بتكفير السلفيين والسلفيون لا يفعلون ذلك لعدم تحقق الشروط وانتفاء الموانع، فالسلفيون أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق!

وصلى الله على نبينا ممد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا

وكتب تواصيًا بالحق وتواصيًا بالصبر ليلة الأربعاء 14 صفر 1448هـ

أحمد بن عيَّاش أبو موسى الغرايبة

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

آمين آمين.

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)! (الحلقة الثالثة) (هل كانت المعتزلة حركة إصلاحية؟!)

 

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!

(الحلقة الثالثة)

(هل كانت المعتزلة حركة إصلاحية؟!)

يقوم مقال (المعتزلة) الذي كتبه الدكتور على فكرة مركزية -خطيرة جدًا- مفادها أن المعتزلة كانوا حركة إصلاحية عقلانية تعرضت للظلم والتشويه لأسباب سياسية، وأنهم وقفوا في وجه توظيف الدين لخدمة السلطة، بينما كان خصومهم -الذين يسميهم الكاتب «السلفيين الاستنساخيين»- سببًا في إغلاق باب العقل وتقديس الروايات وتكريس الجمود والاستبداد بالسلطة، فقال:

هم أكثر من ظلموا واتهموا بتهم باطلة، والى اليوم ما زالوا بسبب ما ألصق بهم يعتبرون من الخارجين على السنة، وبالطبع فقد كان ذلك لأسباب سياسية، حينما تصدوا لشيوخ السلاطين الأمويين الذين قاموا بإشاعة عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم، وعليه فإن تفرد بني أمية بالحكم هو قدر كتبه الله ولا بد من طاعته في ذلك والتسليم لهم بالسلطة، ومن يخرج عليهم فهو عاص لله ومرتد عن دينه، وعززوا تلك الفكرة بالبحث في أحاديث نبوية تبيح قتل المعارض بعد اذ لم يجدوا ذلك في كتاب الله، فظهرت في ذلك العصر أحاديث الرجم وقطع رأس المرتد.

 

إن الناظر في هذه الأطروحة الخطيرة جدًا يرى بوضوح تام احتوائها على الكثير من (الأباطيل) في سواء في التوصيف أم في نقل الوقائع التاريخية فالكاتب -وعلى عادته في المجازفة والإمعان في الوهم- تختلط عليه الأمور ولا يتمكن -مع دعوته للبحث العلمي وإعمال العقل- من الوصول إلى الحقائق التاريخية فيقع من حيث يدري أو لا يدري عامدًا أم ساهيًا في الاستنتاجات الباطلة والتي تتضمن عددًا من الأخطاء العلمية والمنهجية.

أولًا: أهم محاور الخلل في المقال:

1- تصوير المعتزلة بوصفهم ضحايا مظلومون مارس خصومهم عليهم التهم الباطلة:

إن هذه الدعوى القائمة على التخرُّص والاندفاع جاء نتيجة تصوير غير مكتمل تاريخيًا في ذهن الكاتب، وهو اتهام مبطن لعلماء الأمة في ذلك العصر بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى جمهور الأمة.

فالمعتزلة قبل سقوط نفوذهم في زمن المتوكل كانوا أصحاب نفوذ واسع في عهد الخليفة العباسي المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وقد أصبح مذهبهم هو المذهب الرسمي للدولة. فكيف يستقيم في ذهن الكاتب أنهم مضطهدون وهم لم يقتصروا في أطروحاتهم الفكرية على مبدأ البحث العلمي والمناظرة والبيان كما هي عادة المختلفين من أهل العلم في كل فن من الفنون، لكنهم -وهو ما يدفع دعوى الدكتور بكونهم ضحايا ومظلومون- استخدموا سلطة الدولة لإجبار العلماء على اعتناق آرائهم، فيما عُرف بـ«المحنة» وقد سُجن وجُلد عدد من كبار علماء الحديث، أشهرهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله، وذنبه عندهم أنه رفض القول بخلق القرآن!

فالمعتزلة لم يكونوا ضحايا كما زعم الدكتور، بل كانوا - في مرحلة من التاريخ شركاء (السلطان) والمحرضون له في ممارسة الإكراه الديني بواسطة السلطة، فكيف جاز عند الدكتور في (عقله) أن أهل الحديث وهم خصوم المعتزلة بالدرجة الأولى هم (شيوخ السلاطين الأمويين)؟!

فقول الدكتور هاشم (حينما تصدوا لشيوخ السلاطين الأمويين) باطل وكذب على التاريخ فشيوخ السلاطين منذ ذلك الحين هم المعتزلة ومن ورث فكرهم من سائر الفرق المنتمية إلى الإسلام وإن خففوا من طبيعة الاعتزال وعقائده إلا أنهم ما زالوا أفراخًا للمعتزلة أعداء الشريعة!

وتقريبًا للأمر؛ فإن العبارة الصحيحة في سياقها التاريخي ينبغي أن تكون:

جاء المعتزلة بعقائدهم المنحرفة وفلسفتهم اليونانية وتقربوا من السلطة فأصبحوا شيوخًا للسلاطين العباسيين واستَعْدَوْهُم على المخالفين لهم من أهل الحديث فأكرهوهم على تغيير عقائدهم والقول بخلاف ما جاء في الكتاب والسنة وسجنوهم وجلدوهم وحكموا بردتهم وضربوا أعناقهم ومارسوا كل أمر -مهما بلغ من السفالة والوضاعة- في سبيل ذلك حتى جاء الفرجُ من الله فأنقذ المضطهدين من أهل العلم بالمتوكل!

فتأمل يا رعاك الله كيف أن (العقل زينة)! إذا استعمل الاستعمال الصحيح، ثم تفكَّر في هذا لتفهم!

 

 2- ادعاء الدكتور بأن العلماء قاموا بإشاعة عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم:

لعل من أخطر العبارات التي تفوَّه بها الدكتور هي قوله في مقدمة مقالته بأن العلماء قاموا بإشاعة (كذا!) عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم، وعليه فإن تفرد بني أمية بالحكم هو قدر كتبه الله ولا بد من طاعته في ذلك والتسليم لهم بالسلطة، ومن يخرج عليهم فهو عاص لله ومرتد عن دينه!

فهل انتقل الدكتور إلى الاعتزال أم أنه يورد ما لا يقول به ولا يفهمه؟!

فقوله أشاعوا يوهم بأن المسألة باطلة وهو ما يقودنا -عند أدنى قراءة لكلامه- لفهم أنه يعتقد أن خلقَ الله لأفعال العباد وتقديرها عليهم إنما هو محض إشاعة لا أساس له في عقائد المسلمين وأن ذلك إنما حصل من العلماء لتبرير أو تقرير أن حكم الأمويين قدر مكتوب يجب التسليم له فمن خرج عليهم فهو مرتد عن دينه!

وهذا خلط وخبط وجهل كبير ولعل الدكتور أُتي من منهجه الارتجالي المتفرد الذي يعوزه الفهم الصحيح لعقائد الإسلام بل وعقائد المخالفين له ففي عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان بالقدر يقوم على أربع مراتب (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق):

-علم الله السابق: أي أن الله علم كل شيء قبل وقوعه فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

-كتابة المقادير: أي أن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات الأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة».

-مشيئة الله: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو سبحانه لا يقع في مُلكه إلا ما يريد.

-خلق الله لجميع المخلوقات وأفعالهم.

هذه مراتب القدر عند أهل السنة ممن عقل عن الله وعن رسوله ﷺ وفهم مذهب السلف وسلم من المناهج المعوجة التي خاضت في الباطل حتى ضلت وأضلت عباد الله، وقد ألف العلماء كتبًا في أفراد هذه المراتب للبخاري منها كتابه (خلقُ أفعال العباد) وقد جاء في باب أفعال العباد قول البخاري(ص46):

«قال أبو عبدالله -يعني البخاري-: فأما أفعال العباد فقد حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش، عن حذيفة -رضي الله عنه-، قال النبي ﷺ: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] ، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة» انتهى!

ومع قول أهل السنة بخلق أفعال العباد فإنهم يقررون أن الإنسان له إرادة حقيقية وقدرة حقيقية، وأنه يختار أفعاله، ولذلك يستحق الثواب والعقاب. قال تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. وقال: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]. ثم بيّن أن مشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].

لذلك لا يقول أهل السنة إن الله أجبر العباد على أفعالهم ثم عاقبهم عليها، وإنما يقولون: إن الله خلق العبد، وخلق قدرته وإرادته. والعبد هو الذي يختار الفعل بإرادته وقدرته التي خلقها الله فيه.

والله علم هذا الاختيار قبل وقوعه وكتبه، وليس معنى الكتابة أنه أكره العبد على فعله!

ولهذا كان السلف يفرّقون بين (العلم السابق) و(الكتابة) وبين (الإجبار). فكتابة الله للشيء لا تعني أنه أجبر العبد عليه، كما أن علم المعلم بأن طالبًا سيرسب لا يجعل المعلم سببًا في رسوبه.

إذن!

«فالإنسان مُخيَّرٌ ومُسَيَّرٌ، أعطاه الله عقلًا، وأعطاه الله إرادةً، وأعطاه مشيئةً، فهو مُخيَّرٌ من هذه الحيثية، يعمل عن مشيئةٍ، وعن إرادةٍ، كما قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال:67]، وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:30]، ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:153]، ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:36]، فلهم فعلٌ، ولهم مشيئةٌ، ولهم اختيارٌ، ولكن لا يشاؤون إلا ما شاءه الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:29]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:22].

فهو مخيَّرٌ من جهة أنَّ له إرادةً، وله مشيئةً، وله اختيارًا، يعرف الضَّارَّ من النافع، والطيبَ من الخبيث، يأكل ويشرب باختياره، يزور إخوانه باختياره، ينام باختياره، يقوم باختياره، له اختيار، يأتي الطاعة باختياره، ويأتي المعصية باختياره، لكن هذا له مشيئة سابقة، وله قدر من الله سابق، لا يخرج عن ملك الله، ولا عن إرادته -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82].

فهو مُخيَّرٌ من جهة ما أعطاه الله من المشيئة والقُدرة والاختيار والفهم، ومُسَيَّرٌ من جهة أنه لا يخرج عن قدر الله». [انتهى من جواب لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله].

فجمهور السلف على أن الله خلق أفعال العباد وأنه لا يُنكر ذلك إلا أهل الزيغ والانحراف؛ وأنت ترى أن الدكتور وهو الداعي إلى تدبر القرآن لم يُشر ولو بكلمة إلى دلالة الآيات الكثيرة على هذه العقيدة التي زعم أنها إشاعة أطلقها علماء بني أمية!!

والمعتزلة لهم اليد الطولى في نشر هذه الضلالة =(إنكار خلق أفعال العباد) مع كونهم مسبوقين بشيء منها فقد زعمت (الجبرية) أن العبد مجبور لا اختيار له؛ فسلبوه الإرادة وقابلهم (القدرية الأوائل) ثم (المعتزلة) فقالوا إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالًا؛ فرارًا من القول بالجبر فوقعوا بشر من قول الجبرية!

أما أهل السنة ممن يسميهم الدكتور (السلفيين الاستنساخيين) فرفضوا الطرفين، وأثبتوا أن الله خالق كل شيء كما أخبر هو عن نفسه، ومن ذلك أفعال العباد.

فالعبد فاعل حقيقة، وله اختيار وقدرة، وليس مجرد آلة.

ولهذا قال الإمام الطحاوي في «عقيدته» إن العباد يعملون حقيقة، والله خالقهم وخالق أعمالهم، دون أن يكون ذلك ظلمًا لهم، لأنهم يعملون بإرادتهم واختيارهم.

ولهذا فرَّق أهل العلم بين الإرادة أو المشيئة الكونية (القدر الكوني)، وبين الإرادة أو المشيئة الشرعية (القدر الشرعي)!

فحكم الله الكوني: هو ما قضاه الله قدرًا، وهو لا بد أن يقع، ويتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه، كوقوع الموت أو فساد بني إسرائيل.

وأما الحكم الشرعي: فهو ما أمر الله به أو نهى عنه، ويتعلق بما يحبه الله فقط، وقد يطيعه الناس أو يعصوه، كالأمر بالعبادة والنهي عن الزنا والشرك.

وكلا الحكمين أو القدرين مبنيان على الحكمة؛ فالله لا يقضي ولا يشرع إلا لحكمة في الخلق والتشريع، سواء في كيفية الأشياء أو في الغاية منها.

فنرى أن تقرير أئمة السلف ليس إشاعة سياسية هدفها تثبيت حكم حاكم ما، بل يقوم على إثبات النصوص كما جاءت مع إثبات مسؤولية العبد، دون الخوض في كيفية لا دليل عليها.

والخلاصة:

إن القول بأن «العلماء أشاعوا عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم» إذا أريد به أن الله علِم أفعال العباد وكتبها وقدّرها، فهذا لا إشكال فيه فهو من أصول الإيمان بالقدر عند جمهور المسلمين.

أما إذا أريد به أن الله أجبر العباد على أفعالهم ثم حاسبهم عليها، فهذا ليس مذهب أهل السنة، وإنما هو قول نُسب إلى بعض فرق الجبرية، وقد رده جمهور العلماء.

فعلى الدكتور ألا يكون كحاطب الليل يقول وينقل ما هب ودب من غير فحص ولا نظر فللناس عقول وأفهام ومعارف يدركون بها الحق من الباطل!

 

3- إنكار الدكتور لأحاديث الرجم وحد الردة متابعة منه لأصحاب المدرسة العقلانية:

يظهر جليًا تأثر الدكتور بأفكار الاعتزال والمدارس العصرية المنكرة للسنة فقوله: «وعززوا تلك الفكرة -فكرة خلق أفعال العباد- بالبحث في أحاديث نبوية تبيح قتل المعارض! بعد اذ لم يجدوا ذلك في كتاب الله، فظهرت في ذلك العصر (أحاديث الرجم) و(قطع رأس المرتد)»!

وردًّا على هذا الأمر أقول:

أولًا: ثبوت حد الرجم:

إن إنكار بعض المعاصرين من أصحاب المدرسة (العقلانية) لحد الرجم بحجة أنه غير مذكور في القرآن، أو أنه منسوخ، أو أنه مخالف لحرية الاعتقاد يمكن الرد عليه من عدة وجوه:

1. ثبوت حد الرجم بالسنة المتواترة عمليًا: فقد ثبت الرجم عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة رواها عدد كبير من الصحابة، منها: رجمُ ماعز بن مالك. ورجمُ الغامدية. ورجمُ اليهوديين.

وهو ثابت بقوله ﷺ وبفعله فقد أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ».

وقد نقل جماعة من أهل العلم أن أحاديث الرجم بلغت حد (التواتر المعنوي)، منهم ابن عبدالبر، وابن تيمية، وابن حجر.

2. إجماع الصحابة: إذ لم يُعرف عن أحد من الصحابة إنكار حد الرجم، فقد طبقه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-. وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في خطبته المشهورة التي أخرجها البخاري ومسلم: « «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ...» (متفق عليه).

وهذا من أقوى الأدلة في إثبات هذه المسألة؛ لأن عمر -رضي الله عنه- قال ذلك على المنبر بحضور كبار الصحابة ولم يُنكر عليه أحد.

3. القرآن أمر باتباع السنة: فالقول بأن الرجم لا يؤخذ لأنه ليس في القرآن يعارض نصوصًا كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، وقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، فالسنة ليست مصدرًا ثانويًا، بل هي وحي كما قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.

وعدم ورود الحكم الشرعي في القرآن ليس دليلًا على عدم وجوده فأين في القرآن تحريم الزواج بالمرأة وخالتها والمرأة وعمتها، وأين فيه تحريم زواج المتعة، وأين فيه تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية، وغيرها من الأمور التي ثبتت حرمتها أو حلُّها في السنة المطهرة؟!

4. النسخ في التلاوة دون الحكم: ثبت عند جمهور العلماء أن آية الرجم نُسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهذا نوع من أنواع النسخ الذي دلت عليه النصوص وآثار الصحابة.

 

ثانيًا: الرد على منكري حد الردة:

يزحم الحداثيون العصريون أن بعض الحدود التي طبقتها الأمة لقرون طويلة إنما كانت حدودًا سياسية يلوح بها أرباب السلطة في وجوه المعارضين وينكر بعضهم قتل المرتد محتجًا بقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾.

والجواب على ذلك من وجوه:

1. لا تعارض بين الآية وحد الردة: فقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ ورد في سياق عدم إكراه الكافر ابتداءً على الدخول في الإسلام فاليهودي والنصراني يبقيان على دينهما إن أرادا ذلك ولا يكرههما أحد على اعتناق الإسلام عنوة ولهم في الشريعة أحكام خاصة بهم ليس هذا موضع بسطها.

أما من دخل في دين الإسلام طواعية مختارًا لذلك ثم ارتد عن دينه فإنه تتجه نحوه أحكام أخرى ومنها حد الردة فهو إذن فيمن: دخل الإسلام مختارًا. ثم أعلن الخروج عنه على وجه الردة.

فالموضوعان مختلفان وفي سياقات مختلفة فلا ترد الآية الكريمة مورد الاعتراض لوجود الفارق وعدم المناسبة.

2. النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على مشروعية حد الردة: أخرج البخاري في صحيحه قول النبي ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه». وأخرج البخاري ومسلم قوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ثم ذكر منها: «التارك لدينه المفارق للجماعة». فهذان الحديثان من أصح الأحاديث في إثبات حد الردة.

3. إجماع الصحابة: لعل من أعظم الأدلة التاريخية الثابتة هو ما حصل بعد وفاة النبي ﷺ من ارتداد بعض العرب فقاتل أبو بكر المرتدين منهم، وأجمع الصحابة على ذلك إلا ما كان من عمر أول الأمر ثم ما لبث أن وافق أبا بكر بعد ظهور الدليل. ولم يُنقل عن أحد من الصحابة إنكار أصل عقوبة المرتد.

4. فالردة ليست مجرد فكرة مجردة يزعمها أي إنسان على غيره: فقد ذكر كثير من الفقهاء أن الردة التي يقام عليها الحد هي الردة التي تثبت (أمام القضاء) بعد تحقق شروطها وانتفاء موانعها، وبعد حصول الاستتابة عند جمهور الفقهاء؛ لذلك فإن إقامة حد الردة -وأي حد منصوص عليه شرعًا- ليست اعتباطية ولا هي منوطة بالأفراد، فلا حد لمجرد الشبهة، بل هي من اختصاص القضاء والسلطة الشرعية، وحد الردة أو الحكم بالردة على مسلم أمر مشهور وتواتر في كل العصور الإسلامية وليس هو سياسيًا كما يزعم البعض وحد الردة حاضر في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية ويتعلق بإثباته أحكام متعدد.

وبناءً على ما تقدم فحد الرجم ثابت بالسنة الصحيحة المتواترة عمليًا، وبإجماع الصحابة والفقهاء، ولا يعارض القرآن لأنه من بيان السنة للوحي.

وحد الردة ثابت بالأحاديث الصحيحة وإجماع الصحابة، وتطبيقه من اختصاص السلطة القضائية الشرعية بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وليس للأفراد أن يقيموه بأنفسهم.

فإنكار هذه الأحكام بدعوى عدم ورودها في القرآن وحده يصطدم بحجية السنة الثابتة، التي أجمع المسلمون على كونها مصدرًا للتشريع مع القرآن.