29/07/2026

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)! (الحلقة الرابعة) (هل كانت المعتزلة ترنوا للارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وهل قدس السلف الروايات الآمرة بالطاعة وهل ما تستدل به (المعتزلة) صحيح مقبول عند الأئمة كما يزعم الدكتور الغرايبة؟!)

 

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!

(الحلقة الرابعة)

(هل كانت المعتزلة ترنوا للارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وهل قدس السلف الروايات الآمرة بالطاعة وهل ما تستدل به (المعتزلة) صحيح مقبول عند الأئمة كما يزعم الدكتور الغرايبة؟!)

ما يكاد الدكتور أن ينتهي من فقرة مليئة بالأوهام والمُغالطات والأخطاء الاعتقادية والمنهجية إلا ويأتي بفقرة أشد نكارة وأعظم تجنيًا وأبعد عن المنهج العلمي الصحيح ويبدو للقارئ مدى الحنق الذي تفور به نفس الكاتب والبغض النابع من العقلية الاستعلائية التي تلازم كل من تدثر بدثار (التفكير) ووصف بالـ(ـمفكر) وكأنه ينظر إلى الناس -والسلفيين تحديدًا- من قصر عاجي وكأن الله وهبه العقل وحده ونزعه من ملايين عبر القرون من أتباع منهج السلف الصالح أهل الحديث فيكرر في مقالاته وصفهم بالـ: «السلفيين الاستنساخيين»، وقد قدمت سابقًا أن الدكتور متأثر بعدة مدارس منحرفة (شيوعية، وبعثية، وإباضية، وقطبية، وتحريرية، و..)، فهو للأسف -وعلى خلاف ما يريد أن يُظهر ذاته- يخبط خبط عشواء فيعمل عمل حاطب الليل فلا يدري أَجَمَعَ عودًا أم حمل أفعى!

في الفقرتين الأخيرتين للدكتور في مقاله: (المعتزلة) يحاول إظهار مسألة قد استقر خلافها في وجدان الأمة علماءً وعوامًا من أن المعتزلة مدارس متعددة كلها تصب في بوتقة واحدة ألا وهي بوتقة: (هدم السنة، بهدم علم الحديث رواية ودراية) مع زعمهم أنهم يقتصرون بالفهم والأخذ عقيدة وفقهًا -إن كانَ ثمَّة شيء من ذلك!- عن المتواتر القطعي الذي لا يُخالف العقل الصحيح فإذا وجدوا خلاف ما تهوى أنفسهم قالوا يخالف العقل أو يخالف القرآن فيقدمون العقل على النقل ولو اجتمعت الأمة على قبوله والأخذ به قرونًا متطاولة!، فقال:

 

إن أهم انجازات المعتزلة كان الارتقاء بالفكر وتعظيم دور العقل، وتقديمه على النقل، وجاء ذلك للرد على ما شاع في زمنهم من تقديس للروايات التي كان ينتقى منها ما يوافق مقولات جوقة المطبلين للحكام.

وكانت حجة المعتزلة هو الحديث المشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس عني".

لذلك انصبت جهود السلفيين الاستنساخيين على تكذيب هذا الحديث، وتمكنوا من تضعيفه وتصنيفه بأنه موضوع.

قال أبو موسى:

أهل السنة لا يعارضون العقل، بل يرون أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح. لكنَّ (المعتزلة) جعلوا العقل حاكمًا على النصوص، فإذا تعارض النص مع قواعدهم العقلية أوّلوه أو ردوه، وزاد الدكتور استهزاءه بمن يعتمد الحديث الصحيح من أئمة الدين عبر العصور فأسماهم «السلفيين الاستنساخيين»! فنتج عن هذا الاستخفاف أن أنكروا أو أوّلوا -أعني المعتزلة- كثيرًا من نصوص الصفات، كرؤية الله يوم القيامة، وكشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وغير ذلك من العقائد المستقرة عند أئمة الإسلام يتوارثونها كابرًا عن كابر!.

فكبار علماء السنة كالإمام الشافعي، والبخاري، وأحمد، وابن تيمية وغيرهم المئات استخدموا الأدلة العقلية والمنطقية في الرد على المخالفين، لكنهم رفضوا جعل العقل مقدمًا على النص القطعي.

فالخلاف مع (المعتزلة) وأفراخهم لم يكن حول قيمة العقل، إذ كيف يُختلف على آله الفهم ومناط التكليف؟! وإنما كان الاختلاف حول من يحكم الآخر: آلعقلُ أم الوحي؟

عن الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله، قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد؛ لقال من شاء ما شاء» رواه مسلم في مقدمة «صحيحه».

وهنا لا بُد من بيان بعض المسائل ومنها:

1- أحاديث طاعة ولاة الأمر لم يتم انتقاؤها موافقة سياسية أو تزلفًا إلى الحكام كما يزعم الدكتور!

فهذا تعميم بلا دليل، و(سواليف حصيدة) كما تقول الفلاحيين، فكثير من أحاديث السمع والطاعة ثابتة في أصح كتب السنة، ورواها صحابة متعددون، وبعضها روي وتناقله الحُفاظ من السلف قبل قيام الدولة الأموية أصلًا.

زد على ذلك أن علماء الحديث أنفسهم كانوا من أكثر الناس تعرضًا للأذى من الحكام في زمانهم، فلا يصح في العقول أن يوصف هؤلاء بأنهم -مع ما لاقوه من أذى من أمراء زمانهم- أنهم ينتقون ويقدسون روايات توافق جوقة المطبِّلين للحكام على حد زعم الكاتب بل الأحرى أن يوصف بهذه الأوصاف علماء السلاطين من (المعتزلة) وأفراخهم ممن استعدى الدولة على أهل الحديث، فتأمل!

2- الاستدلال بحديث «اعرضوا حديثي على كتاب الله»:

حديث أخبر الكثير من العلماء بأنه من وضع الملاحدة والزنادقة فهو حديث لا إسناد له يصح إلى رسول الله ﷺ، ولو أتعب الكاتب نفسه قليلًا لرأى أنه ينسب إلى المعتزلة دليلًا على مذهبهم العقلي من حديث لا يوافق طريقتهم في قبول الأخبار فتناقض من حيث لا يشعر، فهذا الحديث عند البحث عن مصدره تجده مرويًا في كتب المعتزلة ومن ورثهم من الفرق الإسلامية كالإباضية! فقد ورد الحديث في «مسند الربيع» والذي حشاه مُسنِدُهُ بالأكاذيب والموضوعات وما هب ودب من تكفير للمسلمين حتى فيما هو جائز شرعًا فتعجب أن الخوارج الإباضية يُكفرون المرأة التي تطلب الخُلعَ من زوجها مع أن الخُلع أمر متفق على جوازه عند أئمة المسلمين، ولك أن تتأكد أن الكاتب ينقل بلا تمحيص ولا نظر أن الحديث الذي جعله أًس منهج المعتزلة قد روي في (باب الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رحمه الله) برقم: (22)، طبعة مكتبة مسقط وفي المرفقات صورة الباب والحديث المروي فيه، فهو إذن من المقاطيع -كذاَ- يعني أن الإسناد منقطع بين جابر بن زيد وبيم النبي ﷺ، فكيف يصح في العق الأخذ بما لا إسناد له يُقبل؟!

والمقام لا يتسع لسبر وإيراد أقوال العلماء من السلف في الحكم على هذا الحديث فهي أكثر من أن تُحصى، وعليه فقول الدكتور: (لذلك انصبت جهود «السلفيين الاستنساخيين» على تكذيب هذا الحديث، وتمكنوا من تضعيفه وتصنيفه بأنه موضوع) قول ظالم جائر لا يستند إلى علم صحيح ولا إلى فهم حقيقي لمنهج العلماء في قبول الروايات أو ردها فعلى الدكتور أن يختلي بنفسه قليلًا ويرجع إلى ربه بالدعاء والرجاء لعله يهديه إلى الحق بدل أن يتهم أمة من المسلمين بما ليس فيهم فيحمل أوزاره وأوزارهم وأوزار من يُضلهم ممن يتابعه ويصفق له!

وختامًا:

ينبغي التنبيه إلى أن مُعاداة السلف ومن تبعهم للمعتزلة ليست مُعاداة من أراد أن يُفعل دور العقل ويرفعه بل لأن الاعتزال بمدارسه وتفرعاته إنما وجد لهدم المنظومة الاعتقادية ومنهج التلقي عن أهل العلم ليفسح المجال لكل مهوَّس أن يقول في دين الله ما يشاء فمن أهم محاور وانحرافات المعتزلة قولهم:

          بتقديم العقل على النص عند التعارض.

          القول بخلق القرآن.

          نفي كثير من صفات الله أو تأويلها.

          إنكار رؤية الله في الآخرة.

          إنكار الشفاعة للعصاة أو تقييدها.

          القول بوجوب إنفاذ الوعيد على الله على أصحاب الكبائر.

وغيرها العشرات من المسائل ومن تفرعات لهذه العقائد التي تناقض عقائد المسلمين.

وعليه، فإن مقال الدكتور هاشم يقدم قراءة أحادية تميل كل الميل إلى تمجيد (المعتزلة) وإدانة مخالفيهم والتجني عليهم -ظلمًا وعدوانًا-، بينما تُظهر المصادر التاريخية أن الصورة أكثر تعقيدًا؛ فقد وقع توظيف الدين لخدمة السلطة في فترات مختلفة من عمر الأمة ومن اتجاهات متعددة ولعل أقرب مثال عليها (الإخوان المسلمون) في مصر وتونس فإنهم بعد ردح من الزمان كانوا يُنكرون فيه أحاديث السمع والطاعة ويهزؤون بمن يأخذ بها اتباعًا لسنة النبي ﷺ صاروا -بعد الوصول إلى الحكم- يقولونها ويأخذون بها ويأمرون الناس بالتزامها!، كما أن المعتزلة أنفسهم، حين امتلكوا النفوذ السياسي زمن العباسيين، مارس بعض رموزهم -كأحمد بن أبي دؤاد- الإكراه العقدي ضد مخالفيهم، وهو ما جعل فتنة خلق القرآن إحدى أبرز المحطات في تاريخ العلاقة بين الفكر الاعتزالي الحادث وبين السلطة في الحضارة الإسلامية.

هذا ما تيسر لي من رد وبيان أسأل الله أن ينفع به أهل العقول الصحيحة وأن يهدي به من امتلأ صدره غيظًا وحنقًا على من لا يصدرون إلا عن (قال الله) و(قال رسوله) و(قال السلف)، فهذا هو ديننا الذي ندين الله به ونطرح كل مُخالف له عن عمد أو جهل، وقد قال بعض السلف: «ما كنت لاعبًا بشيء فلا تلعبن بدينك»، ونحن في هذا الزمن نواجع تيارات كثيرة (اعتزالية) وغيرها كلها ترمي أهل الحديث وهم أتباع السلف الصالح في هذا الزمان بما رماهم به المنحرفون الأوائل من الخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة وسائر الفرق الإسلامية وهؤلاء جميعًا يُلمحون أو يصرحون بتكفير السلفيين والسلفيون لا يفعلون ذلك لعدم تحقق الشروط وانتفاء الموانع، فالسلفيون أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق!

وصلى الله على نبينا ممد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا

وكتب تواصيًا بالحق وتواصيًا بالصبر ليلة الأربعاء 14 صفر 1448هـ

أحمد بن عيَّاش أبو موسى الغرايبة

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

آمين آمين.

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)! (الحلقة الثالثة) (هل كانت المعتزلة حركة إصلاحية؟!)

 

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!

(الحلقة الثالثة)

(هل كانت المعتزلة حركة إصلاحية؟!)

يقوم مقال (المعتزلة) الذي كتبه الدكتور على فكرة مركزية -خطيرة جدًا- مفادها أن المعتزلة كانوا حركة إصلاحية عقلانية تعرضت للظلم والتشويه لأسباب سياسية، وأنهم وقفوا في وجه توظيف الدين لخدمة السلطة، بينما كان خصومهم -الذين يسميهم الكاتب «السلفيين الاستنساخيين»- سببًا في إغلاق باب العقل وتقديس الروايات وتكريس الجمود والاستبداد بالسلطة، فقال:

هم أكثر من ظلموا واتهموا بتهم باطلة، والى اليوم ما زالوا بسبب ما ألصق بهم يعتبرون من الخارجين على السنة، وبالطبع فقد كان ذلك لأسباب سياسية، حينما تصدوا لشيوخ السلاطين الأمويين الذين قاموا بإشاعة عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم، وعليه فإن تفرد بني أمية بالحكم هو قدر كتبه الله ولا بد من طاعته في ذلك والتسليم لهم بالسلطة، ومن يخرج عليهم فهو عاص لله ومرتد عن دينه، وعززوا تلك الفكرة بالبحث في أحاديث نبوية تبيح قتل المعارض بعد اذ لم يجدوا ذلك في كتاب الله، فظهرت في ذلك العصر أحاديث الرجم وقطع رأس المرتد.

 

إن الناظر في هذه الأطروحة الخطيرة جدًا يرى بوضوح تام احتوائها على الكثير من (الأباطيل) في سواء في التوصيف أم في نقل الوقائع التاريخية فالكاتب -وعلى عادته في المجازفة والإمعان في الوهم- تختلط عليه الأمور ولا يتمكن -مع دعوته للبحث العلمي وإعمال العقل- من الوصول إلى الحقائق التاريخية فيقع من حيث يدري أو لا يدري عامدًا أم ساهيًا في الاستنتاجات الباطلة والتي تتضمن عددًا من الأخطاء العلمية والمنهجية.

أولًا: أهم محاور الخلل في المقال:

1- تصوير المعتزلة بوصفهم ضحايا مظلومون مارس خصومهم عليهم التهم الباطلة:

إن هذه الدعوى القائمة على التخرُّص والاندفاع جاء نتيجة تصوير غير مكتمل تاريخيًا في ذهن الكاتب، وهو اتهام مبطن لعلماء الأمة في ذلك العصر بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى جمهور الأمة.

فالمعتزلة قبل سقوط نفوذهم في زمن المتوكل كانوا أصحاب نفوذ واسع في عهد الخليفة العباسي المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وقد أصبح مذهبهم هو المذهب الرسمي للدولة. فكيف يستقيم في ذهن الكاتب أنهم مضطهدون وهم لم يقتصروا في أطروحاتهم الفكرية على مبدأ البحث العلمي والمناظرة والبيان كما هي عادة المختلفين من أهل العلم في كل فن من الفنون، لكنهم -وهو ما يدفع دعوى الدكتور بكونهم ضحايا ومظلومون- استخدموا سلطة الدولة لإجبار العلماء على اعتناق آرائهم، فيما عُرف بـ«المحنة» وقد سُجن وجُلد عدد من كبار علماء الحديث، أشهرهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله، وذنبه عندهم أنه رفض القول بخلق القرآن!

فالمعتزلة لم يكونوا ضحايا كما زعم الدكتور، بل كانوا - في مرحلة من التاريخ شركاء (السلطان) والمحرضون له في ممارسة الإكراه الديني بواسطة السلطة، فكيف جاز عند الدكتور في (عقله) أن أهل الحديث وهم خصوم المعتزلة بالدرجة الأولى هم (شيوخ السلاطين الأمويين)؟!

فقول الدكتور هاشم (حينما تصدوا لشيوخ السلاطين الأمويين) باطل وكذب على التاريخ فشيوخ السلاطين منذ ذلك الحين هم المعتزلة ومن ورث فكرهم من سائر الفرق المنتمية إلى الإسلام وإن خففوا من طبيعة الاعتزال وعقائده إلا أنهم ما زالوا أفراخًا للمعتزلة أعداء الشريعة!

وتقريبًا للأمر؛ فإن العبارة الصحيحة في سياقها التاريخي ينبغي أن تكون:

جاء المعتزلة بعقائدهم المنحرفة وفلسفتهم اليونانية وتقربوا من السلطة فأصبحوا شيوخًا للسلاطين العباسيين واستَعْدَوْهُم على المخالفين لهم من أهل الحديث فأكرهوهم على تغيير عقائدهم والقول بخلاف ما جاء في الكتاب والسنة وسجنوهم وجلدوهم وحكموا بردتهم وضربوا أعناقهم ومارسوا كل أمر -مهما بلغ من السفالة والوضاعة- في سبيل ذلك حتى جاء الفرجُ من الله فأنقذ المضطهدين من أهل العلم بالمتوكل!

فتأمل يا رعاك الله كيف أن (العقل زينة)! إذا استعمل الاستعمال الصحيح، ثم تفكَّر في هذا لتفهم!

 

 2- ادعاء الدكتور بأن العلماء قاموا بإشاعة عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم:

لعل من أخطر العبارات التي تفوَّه بها الدكتور هي قوله في مقدمة مقالته بأن العلماء قاموا بإشاعة (كذا!) عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم، وعليه فإن تفرد بني أمية بالحكم هو قدر كتبه الله ولا بد من طاعته في ذلك والتسليم لهم بالسلطة، ومن يخرج عليهم فهو عاص لله ومرتد عن دينه!

فهل انتقل الدكتور إلى الاعتزال أم أنه يورد ما لا يقول به ولا يفهمه؟!

فقوله أشاعوا يوهم بأن المسألة باطلة وهو ما يقودنا -عند أدنى قراءة لكلامه- لفهم أنه يعتقد أن خلقَ الله لأفعال العباد وتقديرها عليهم إنما هو محض إشاعة لا أساس له في عقائد المسلمين وأن ذلك إنما حصل من العلماء لتبرير أو تقرير أن حكم الأمويين قدر مكتوب يجب التسليم له فمن خرج عليهم فهو مرتد عن دينه!

وهذا خلط وخبط وجهل كبير ولعل الدكتور أُتي من منهجه الارتجالي المتفرد الذي يعوزه الفهم الصحيح لعقائد الإسلام بل وعقائد المخالفين له ففي عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان بالقدر يقوم على أربع مراتب (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق):

-علم الله السابق: أي أن الله علم كل شيء قبل وقوعه فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

-كتابة المقادير: أي أن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات الأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة».

-مشيئة الله: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو سبحانه لا يقع في مُلكه إلا ما يريد.

-خلق الله لجميع المخلوقات وأفعالهم.

هذه مراتب القدر عند أهل السنة ممن عقل عن الله وعن رسوله ﷺ وفهم مذهب السلف وسلم من المناهج المعوجة التي خاضت في الباطل حتى ضلت وأضلت عباد الله، وقد ألف العلماء كتبًا في أفراد هذه المراتب للبخاري منها كتابه (خلقُ أفعال العباد) وقد جاء في باب أفعال العباد قول البخاري(ص46):

«قال أبو عبدالله -يعني البخاري-: فأما أفعال العباد فقد حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش، عن حذيفة -رضي الله عنه-، قال النبي ﷺ: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] ، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة» انتهى!

ومع قول أهل السنة بخلق أفعال العباد فإنهم يقررون أن الإنسان له إرادة حقيقية وقدرة حقيقية، وأنه يختار أفعاله، ولذلك يستحق الثواب والعقاب. قال تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. وقال: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]. ثم بيّن أن مشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].

لذلك لا يقول أهل السنة إن الله أجبر العباد على أفعالهم ثم عاقبهم عليها، وإنما يقولون: إن الله خلق العبد، وخلق قدرته وإرادته. والعبد هو الذي يختار الفعل بإرادته وقدرته التي خلقها الله فيه.

والله علم هذا الاختيار قبل وقوعه وكتبه، وليس معنى الكتابة أنه أكره العبد على فعله!

ولهذا كان السلف يفرّقون بين (العلم السابق) و(الكتابة) وبين (الإجبار). فكتابة الله للشيء لا تعني أنه أجبر العبد عليه، كما أن علم المعلم بأن طالبًا سيرسب لا يجعل المعلم سببًا في رسوبه.

إذن!

«فالإنسان مُخيَّرٌ ومُسَيَّرٌ، أعطاه الله عقلًا، وأعطاه الله إرادةً، وأعطاه مشيئةً، فهو مُخيَّرٌ من هذه الحيثية، يعمل عن مشيئةٍ، وعن إرادةٍ، كما قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال:67]، وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:30]، ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:153]، ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:36]، فلهم فعلٌ، ولهم مشيئةٌ، ولهم اختيارٌ، ولكن لا يشاؤون إلا ما شاءه الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:29]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:22].

فهو مخيَّرٌ من جهة أنَّ له إرادةً، وله مشيئةً، وله اختيارًا، يعرف الضَّارَّ من النافع، والطيبَ من الخبيث، يأكل ويشرب باختياره، يزور إخوانه باختياره، ينام باختياره، يقوم باختياره، له اختيار، يأتي الطاعة باختياره، ويأتي المعصية باختياره، لكن هذا له مشيئة سابقة، وله قدر من الله سابق، لا يخرج عن ملك الله، ولا عن إرادته -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82].

فهو مُخيَّرٌ من جهة ما أعطاه الله من المشيئة والقُدرة والاختيار والفهم، ومُسَيَّرٌ من جهة أنه لا يخرج عن قدر الله». [انتهى من جواب لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله].

فجمهور السلف على أن الله خلق أفعال العباد وأنه لا يُنكر ذلك إلا أهل الزيغ والانحراف؛ وأنت ترى أن الدكتور وهو الداعي إلى تدبر القرآن لم يُشر ولو بكلمة إلى دلالة الآيات الكثيرة على هذه العقيدة التي زعم أنها إشاعة أطلقها علماء بني أمية!!

والمعتزلة لهم اليد الطولى في نشر هذه الضلالة =(إنكار خلق أفعال العباد) مع كونهم مسبوقين بشيء منها فقد زعمت (الجبرية) أن العبد مجبور لا اختيار له؛ فسلبوه الإرادة وقابلهم (القدرية الأوائل) ثم (المعتزلة) فقالوا إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالًا؛ فرارًا من القول بالجبر فوقعوا بشر من قول الجبرية!

أما أهل السنة ممن يسميهم الدكتور (السلفيين الاستنساخيين) فرفضوا الطرفين، وأثبتوا أن الله خالق كل شيء كما أخبر هو عن نفسه، ومن ذلك أفعال العباد.

فالعبد فاعل حقيقة، وله اختيار وقدرة، وليس مجرد آلة.

ولهذا قال الإمام الطحاوي في «عقيدته» إن العباد يعملون حقيقة، والله خالقهم وخالق أعمالهم، دون أن يكون ذلك ظلمًا لهم، لأنهم يعملون بإرادتهم واختيارهم.

ولهذا فرَّق أهل العلم بين الإرادة أو المشيئة الكونية (القدر الكوني)، وبين الإرادة أو المشيئة الشرعية (القدر الشرعي)!

فحكم الله الكوني: هو ما قضاه الله قدرًا، وهو لا بد أن يقع، ويتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه، كوقوع الموت أو فساد بني إسرائيل.

وأما الحكم الشرعي: فهو ما أمر الله به أو نهى عنه، ويتعلق بما يحبه الله فقط، وقد يطيعه الناس أو يعصوه، كالأمر بالعبادة والنهي عن الزنا والشرك.

وكلا الحكمين أو القدرين مبنيان على الحكمة؛ فالله لا يقضي ولا يشرع إلا لحكمة في الخلق والتشريع، سواء في كيفية الأشياء أو في الغاية منها.

فنرى أن تقرير أئمة السلف ليس إشاعة سياسية هدفها تثبيت حكم حاكم ما، بل يقوم على إثبات النصوص كما جاءت مع إثبات مسؤولية العبد، دون الخوض في كيفية لا دليل عليها.

والخلاصة:

إن القول بأن «العلماء أشاعوا عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم» إذا أريد به أن الله علِم أفعال العباد وكتبها وقدّرها، فهذا لا إشكال فيه فهو من أصول الإيمان بالقدر عند جمهور المسلمين.

أما إذا أريد به أن الله أجبر العباد على أفعالهم ثم حاسبهم عليها، فهذا ليس مذهب أهل السنة، وإنما هو قول نُسب إلى بعض فرق الجبرية، وقد رده جمهور العلماء.

فعلى الدكتور ألا يكون كحاطب الليل يقول وينقل ما هب ودب من غير فحص ولا نظر فللناس عقول وأفهام ومعارف يدركون بها الحق من الباطل!

 

3- إنكار الدكتور لأحاديث الرجم وحد الردة متابعة منه لأصحاب المدرسة العقلانية:

يظهر جليًا تأثر الدكتور بأفكار الاعتزال والمدارس العصرية المنكرة للسنة فقوله: «وعززوا تلك الفكرة -فكرة خلق أفعال العباد- بالبحث في أحاديث نبوية تبيح قتل المعارض! بعد اذ لم يجدوا ذلك في كتاب الله، فظهرت في ذلك العصر (أحاديث الرجم) و(قطع رأس المرتد)»!

وردًّا على هذا الأمر أقول:

أولًا: ثبوت حد الرجم:

إن إنكار بعض المعاصرين من أصحاب المدرسة (العقلانية) لحد الرجم بحجة أنه غير مذكور في القرآن، أو أنه منسوخ، أو أنه مخالف لحرية الاعتقاد يمكن الرد عليه من عدة وجوه:

1. ثبوت حد الرجم بالسنة المتواترة عمليًا: فقد ثبت الرجم عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة رواها عدد كبير من الصحابة، منها: رجمُ ماعز بن مالك. ورجمُ الغامدية. ورجمُ اليهوديين.

وهو ثابت بقوله ﷺ وبفعله فقد أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ».

وقد نقل جماعة من أهل العلم أن أحاديث الرجم بلغت حد (التواتر المعنوي)، منهم ابن عبدالبر، وابن تيمية، وابن حجر.

2. إجماع الصحابة: إذ لم يُعرف عن أحد من الصحابة إنكار حد الرجم، فقد طبقه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-. وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في خطبته المشهورة التي أخرجها البخاري ومسلم: « «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ...» (متفق عليه).

وهذا من أقوى الأدلة في إثبات هذه المسألة؛ لأن عمر -رضي الله عنه- قال ذلك على المنبر بحضور كبار الصحابة ولم يُنكر عليه أحد.

3. القرآن أمر باتباع السنة: فالقول بأن الرجم لا يؤخذ لأنه ليس في القرآن يعارض نصوصًا كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، وقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، فالسنة ليست مصدرًا ثانويًا، بل هي وحي كما قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.

وعدم ورود الحكم الشرعي في القرآن ليس دليلًا على عدم وجوده فأين في القرآن تحريم الزواج بالمرأة وخالتها والمرأة وعمتها، وأين فيه تحريم زواج المتعة، وأين فيه تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية، وغيرها من الأمور التي ثبتت حرمتها أو حلُّها في السنة المطهرة؟!

4. النسخ في التلاوة دون الحكم: ثبت عند جمهور العلماء أن آية الرجم نُسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهذا نوع من أنواع النسخ الذي دلت عليه النصوص وآثار الصحابة.

 

ثانيًا: الرد على منكري حد الردة:

يزحم الحداثيون العصريون أن بعض الحدود التي طبقتها الأمة لقرون طويلة إنما كانت حدودًا سياسية يلوح بها أرباب السلطة في وجوه المعارضين وينكر بعضهم قتل المرتد محتجًا بقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾.

والجواب على ذلك من وجوه:

1. لا تعارض بين الآية وحد الردة: فقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ ورد في سياق عدم إكراه الكافر ابتداءً على الدخول في الإسلام فاليهودي والنصراني يبقيان على دينهما إن أرادا ذلك ولا يكرههما أحد على اعتناق الإسلام عنوة ولهم في الشريعة أحكام خاصة بهم ليس هذا موضع بسطها.

أما من دخل في دين الإسلام طواعية مختارًا لذلك ثم ارتد عن دينه فإنه تتجه نحوه أحكام أخرى ومنها حد الردة فهو إذن فيمن: دخل الإسلام مختارًا. ثم أعلن الخروج عنه على وجه الردة.

فالموضوعان مختلفان وفي سياقات مختلفة فلا ترد الآية الكريمة مورد الاعتراض لوجود الفارق وعدم المناسبة.

2. النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على مشروعية حد الردة: أخرج البخاري في صحيحه قول النبي ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه». وأخرج البخاري ومسلم قوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ثم ذكر منها: «التارك لدينه المفارق للجماعة». فهذان الحديثان من أصح الأحاديث في إثبات حد الردة.

3. إجماع الصحابة: لعل من أعظم الأدلة التاريخية الثابتة هو ما حصل بعد وفاة النبي ﷺ من ارتداد بعض العرب فقاتل أبو بكر المرتدين منهم، وأجمع الصحابة على ذلك إلا ما كان من عمر أول الأمر ثم ما لبث أن وافق أبا بكر بعد ظهور الدليل. ولم يُنقل عن أحد من الصحابة إنكار أصل عقوبة المرتد.

4. فالردة ليست مجرد فكرة مجردة يزعمها أي إنسان على غيره: فقد ذكر كثير من الفقهاء أن الردة التي يقام عليها الحد هي الردة التي تثبت (أمام القضاء) بعد تحقق شروطها وانتفاء موانعها، وبعد حصول الاستتابة عند جمهور الفقهاء؛ لذلك فإن إقامة حد الردة -وأي حد منصوص عليه شرعًا- ليست اعتباطية ولا هي منوطة بالأفراد، فلا حد لمجرد الشبهة، بل هي من اختصاص القضاء والسلطة الشرعية، وحد الردة أو الحكم بالردة على مسلم أمر مشهور وتواتر في كل العصور الإسلامية وليس هو سياسيًا كما يزعم البعض وحد الردة حاضر في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية ويتعلق بإثباته أحكام متعدد.

وبناءً على ما تقدم فحد الرجم ثابت بالسنة الصحيحة المتواترة عمليًا، وبإجماع الصحابة والفقهاء، ولا يعارض القرآن لأنه من بيان السنة للوحي.

وحد الردة ثابت بالأحاديث الصحيحة وإجماع الصحابة، وتطبيقه من اختصاص السلطة القضائية الشرعية بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وليس للأفراد أن يقيموه بأنفسهم.

فإنكار هذه الأحكام بدعوى عدم ورودها في القرآن وحده يصطدم بحجية السنة الثابتة، التي أجمع المسلمون على كونها مصدرًا للتشريع مع القرآن.

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)! (الحلقة الثانية) (مقدمة تاريخية)

 

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!

(الحلقة الثانية)

(مقدمة تاريخية)

إن الأفكار التي بُني عليها الاعتزال ظهرت قبل تأسيس هذا الفكر، كالقول بحرية الإنسان المطلقة فالإنسان عند المعتزلة حر مُختار بشكل مطلق وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه! (معبد الجهني وغيلان الدمشقي)، وكالقول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله -تبارك وتعالى- (الجعد بن درهم والجهم بن صفوان). حتى جاء (واصل بن عطاء الغزَّال [80هـ - 130هـ]) فكان أساس الاعتزال بعد انفصاله عن مجلس (الحسن البصري) بسبب قوله بـ(المنزلة بين المنزلتين) لمرتكب الكبائر -أي أنَّ مَن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالسرقة أو الزنا أو شرب الخمر ونحوها؛ فإنه ليس بمؤمن ولا كافر، وأنه مُخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت-.

ثم بعد ذلك انقسمت المعتزلة إلى (فرق متعددة) مع اتفاقها على أصولها الخمسة -وهي: 1-التوحيد. 2- العدل.
3-الوعد والوعيد. 4-المنزلة بين المنزلتين. 5-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
-، وبلغ نفوذها ذروته في العصر العباسي، خاصة في عهد المأمون، حيث تبنى مذهبهم وامتحن الناس بقولهم فوقعت فتنة (خلق القرآن) بقيادة قاضي القضاة في عهد المعتصم؛ (أحمد بن أبي دؤاد).

ولما كان العقل عند المعتزلة نبراسهم ومرجعيتهم -على تفاوت العقول بين أصحابها- انقسمت المعتزلة إلى فِرق وطوائف تُنسب كل فرقة إلى صاحب مقالتها ومنه تأخذ عقيدتها، حتى جاء عهد المتوكل سنة: (232هـ) فانتصر لأهل السنة، وأكرم شيخهم وإمامهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-، فانتهى عقدٌ ونصف من الزمان كان المعتزلة يقمعون ويمتحنون أهل السنة بعقائدهم بل ويجبرونهم على القول بها وإلا كان السيف والنطع هو مصيرهم في صورة وضيعة من الاستبداد واستغلال المناصب للإمعان في الظلم والإذلال!، واستمر الأمر كذلك حتى جاء عهد دولة (بني بُويه) سنة: (334هـ) في بلاد فارس تلك الدولة البويهية الدولة الشيعية المُعادية لأهل السنة والإسلام فنشأت علاقة توافق بين (الشيعة الرافضة البويهيين) وبين (المعتزلة العقلانيين) الذين كان رأسهم في زمانهم (القاضي عبدالجبار المعتزلي) فارتفع شأن الاعتزال في دولتهم وعلا نجمهم، قال المقريزي: «إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر»، ولو لا تبني الشيعة لفكر الاعتزال لزال إلى الأبد ولذهب رجسه عن المسلمين وأبنائهم!

ثم ما لبث وأن عاد فكر الاعتزال في زماننا الحاضر بصور متعددة كان أبرز دعاته ورواد فكره من الكُتاب الحداثيين وما يسمى التنويريين وكثير ممن يُسمَّون بالمفكرين، إلى أصحاب تجديد الخطاب الديني مرورًا بنفي السنة والاكتفاء بالقرآن وحده (القرآنيون) وآخرهم أصحاب إعادة بلورة النصوص وفق البيان اللغوي والخواطر والخطرات العقلانية للوصول إلى وحدة الأديان ولتذويب المسلمين في غيرهم ورائدو هذه المدرسة الأخيرة القائمون على منصة (مجتمع)، ورأس هؤلاء اليوم الكثير من بقايا (الإخوان المسلمين) ومدرستهم العقلانية و(الشحروريين) و(الكياليين) ورجيع الأحزاب اليسارية كالبعثيين والشيوعيين ومن تأسلم منهم!!

ويجدر الإشارة هنا إلى أن أهم مبدأ اعتزالي وهو ما يُكثر (التحريفيون الجدد) من الدندنة حوله وهو مسألة (العقل) فعند المعتزلة اعتماد كلي في الاستدلال على العقائد بحيث يعتمدون على العقل في معرفة حقيقة الأشياء ومنها العقائد على وجه الخصوص فالحكم على الأشياء عندهم حُسنًا وقُبحًا مرده إلى العقل لا إلى الشرع! فكان من ثمرات مذهبهم المنحرف نفي الصفات عن الله -عز وجل- لا تأويلها فقط، وكان من أخبث ثمار هذا الاعتماد على العقل تفسيقهم لأكابر أصحاب النبي ﷺ بسبب ما حصل من فتنة بينهم يوم الجمل ولم يقبلوا شهادتهم بناءً على هذا الأصل الفاسد، إلى غير ذلك من انحرافات خطيرة عن الدين تجعل الوحيين في مهب ريح العقول المضطربة المتفاوتة في الفهم والنظر والإدراك، فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُرًا كل حزب بما لديهم فرحون!

فدعوى الدكتور أنهم مظلومون دعوى عارية عن البرهان والدليل وكل الأحداث والوقائع تُثبت أن المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! فوضع هذه الفرقة المتقدمة في عمر الأمة يوم كان العلماء والأئمة متوافرون يملئون حواضر الإسلام تدليس قبيح وراءه إعجاب بفكر أشبعه أهل الإسلام ردًا وتضليلًا لا لأنه يدعو إلى العقل فـ (العقل زينة!) وهو أداة للفهم سخرها الله للإنسان وأمره أن يتفكر فيما خلقه له في هذا الكون الواسع الفسيح ليزداد إيمانًا مع إيمانه بما جاء به المرسلون وما توارثه وتناقله العلماء عنهم كابرًا عن كابر من لدن أصحاب الرسل -عليهم الصلاة والسلام- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فاجتماع علماء السلف في زمن ظهور هذه الفرقة وتظافرهم على رد انحرافها والقول بتضليلها أمر لا علاقة للسياسة فيه كما يزعم الدكتور بل لأن الأمر خرج عن كونه خلاف أفهام إلى كونه أداة لهدم أهم أصول المسلمين ألا وهي العقيدة في الله وفي أنبيائه وفي النصوص الناظمة له.

فهل الإسلام منع العقل من مهمته التي خُلق لأجلها أم أنه فسح له المجال للنظر والفكر دون أن يجعله حكمًا على النصوص مراعاة لاختلاف العقول وما يطرأ عليها من تغير وضعف وقوة وخمول ونشاط فجعلها مرجعًا يُقاس به النص الشرعي ليس من الحكمة بل الحكمة أن يُجعل الوحي في مكانه والعقل في مكانه ليتآلف الاثنان فإن العقل الصحيح لا يتناقض ولا يتنافى مع النصوص الشرعية فما يدركه العقل فمجاله النظر والفهم وما لا يدركه فمجاله التسليم والانصياع والإيمان به، ومحاولة البعض اليوم الاعتذار للمعتزلة أو الدفاع عنهم خيانة للعلم والعقل معًا بل ومساهمة في نشر خبث الاعتزال بين أبناء المسلمين حتى صرنا نسمع من بعض العوام ممن لا اطلاع له على كتب العقائد والفقه أمورًا عجيبة وحججًا واهية يتذرعون بها لما يقترفونه من مخالفات خطيرة وبوائق كبيرة!

والله المستعان!

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)! (الحلقة الأولى)

 

(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ... ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!

(الحلقة الأولى)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ،،

أما بعد:

لطالما كتبتُ قديمًا عن بلية قد أصابت أمة الإسلام في أعصارنا المتأخرة ساهمت بصورة كبيرة في انحراف الكثيرين من أبناء الأمة وكان العنوان الأكبر لهذه البلية هي كلمة: (مُفكر)!!

فكل مُبطل استحكمت الأهواء في قلبه يشفع اسمه في كل مقالة يطرحها بهذا اللفظ الذي قد يتوهم قارئه أنه لقب فخم ناله صاحبه بعد أن ثنى الركب وجال الأرض طلبًا للعلم من مصادره ومظانه المعتمدة! بيدَ أن الأمر ليس كذلك     -البتة!- فإن السواد الأعظم ممن تلبس لبوس (التفكير) ليس لهم مدرسة ينتمون إليها يمكن مُحاكمتهم على ضوء أصولها ومبادئها بل هم (مفكرون) وحسب يقولون ما يخطر في عقولهم= (عمدتهم في الأصول) ولو كان تخريفًا ولو كان تخليطًا ولو كان هراءً حتى!!

والأمة الإسلامية =ومنذ أن بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله واختار لهذه المهمة صحابة رسوله ﷺ بدأ من الخلفاء الراشدين المهديين وانتهاء بآخر صحابي= كانت هدفًا لحملات التشويه ومحاولات التحريف كما حصل في الأمم السالفة لكن لمَّا كان الله -تبارك وتعالى- هو المتكفل بحفظ الدين -أصولًا وفروعًا- كانت هجمات (التحريفيين) تتكسر على جدران العقيدة المتينة القائمة على الوحيين (الكتاب والسنة) والذين انبرى لبيان ما فيهما جهابذة أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم من القرون المفضلة ومن سار على نهجهم من أهل الحديث، فثارت ثائرة (التحريفيين) وبدأوا بالبحث عن مِعول يتمكنون بوساطته من هدم أسوار حصون العقيدة والمنهج الإسلامي القائم على فهم السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، فكانت معاول عديدة وكان من أكبرها وأخطرها -مع تهافتها- (الاعتزال) الذي نشأ في ظروف استثنائية كثمرة لتطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة (النظر العقلي المجرد) في النصوص الدينية وكان هذا نتاج التأثر بكتب الفلاسفة من اليونان والهنود وما تسرب إليها من عقائد اليهود والنصارى وعلى خلاف في سبب التسمية ونشأتها فالمآل الأخير أن (المعتزلة) ومن ركب في ركابهم انحرفوا عن جادة العقيدة والدين وتنكبوا الصراط المستقيم فقام لهم أهل السنة سلفًا وخلفًا فرموهم عن قوس واحدة فأطفئوا جذوة سراجهم!

وسأرد في هذه الحلقات على مقالة (ابن الخالة) الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة والتي نشرها يوم الإثنين، الموافق:
20 / 7 / 2026م، بعنوان: (المعتزلة)! وسأبين -بحول الله تعالى- ما فيها من زيف وزخرف وتحريف وتجني على أهل السنة الحقة ممن يحلو له أن يسميهم: (السلفيين الاستنساخيين!) نبزًا بالألقاب واستخفافًا بمخالفه ممن يُعظم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ويجعلون من النصوص حاكمة على العقول لا كما يفعل (التحريفيون الجدد) ممن يجعل العقل هو الحكم على النص الديني كتابًا وسنة!

وبالله وحده أتأيد.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

أحمد بن عيَّاش أبو موسى الغرايبة

7 صفر 1448هـ

الأردن صانه الله من الشرور والفتن.