(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ...
ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!
(الحلقة الثالثة)
(هل كانت
المعتزلة حركة إصلاحية؟!)
يقوم
مقال (المعتزلة) الذي كتبه الدكتور على فكرة مركزية -خطيرة جدًا-
مفادها أن المعتزلة كانوا حركة إصلاحية عقلانية تعرضت للظلم والتشويه لأسباب
سياسية، وأنهم وقفوا في وجه توظيف الدين لخدمة السلطة، بينما كان خصومهم -الذين
يسميهم الكاتب «السلفيين
الاستنساخيين»- سببًا في إغلاق باب العقل وتقديس الروايات وتكريس
الجمود والاستبداد بالسلطة، فقال:

هم أكثر من ظلموا
واتهموا بتهم باطلة، والى اليوم ما
زالوا بسبب ما ألصق
بهم يعتبرون من الخارجين على
السنة، وبالطبع فقد كان ذلك لأسباب سياسية، حينما تصدوا لشيوخ السلاطين الأمويين الذين قاموا
بإشاعة عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم، وعليه فإن تفرد بني أمية بالحكم هو قدر كتبه الله ولا بد
من طاعته في ذلك والتسليم لهم بالسلطة، ومن يخرج عليهم فهو عاص لله ومرتد عن دينه، وعززوا
تلك الفكرة بالبحث في أحاديث نبوية تبيح قتل المعارض بعد اذ لم يجدوا ذلك في كتاب الله، فظهرت
في ذلك العصر أحاديث الرجم وقطع رأس المرتد.
إن
الناظر في هذه الأطروحة الخطيرة جدًا يرى بوضوح تام احتوائها على الكثير من (الأباطيل)
في سواء في التوصيف أم في نقل الوقائع التاريخية فالكاتب -وعلى عادته في المجازفة
والإمعان في الوهم- تختلط عليه الأمور ولا يتمكن -مع دعوته للبحث العلمي وإعمال
العقل- من الوصول إلى الحقائق التاريخية فيقع من حيث يدري أو لا يدري عامدًا أم
ساهيًا في الاستنتاجات الباطلة والتي تتضمن عددًا من الأخطاء العلمية والمنهجية.
أولًا:
أهم محاور الخلل في المقال:
1-
تصوير المعتزلة بوصفهم ضحايا مظلومون مارس خصومهم عليهم التهم الباطلة:
إن
هذه الدعوى القائمة على التخرُّص والاندفاع جاء نتيجة تصوير غير مكتمل تاريخيًا في
ذهن الكاتب، وهو اتهام مبطن لعلماء الأمة في ذلك العصر بالكذب على الله وعلى رسوله
ﷺ وعلى جمهور الأمة.
فالمعتزلة
قبل سقوط نفوذهم في زمن المتوكل كانوا أصحاب نفوذ واسع في عهد الخليفة العباسي
المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وقد أصبح مذهبهم هو المذهب الرسمي للدولة. فكيف
يستقيم في ذهن الكاتب أنهم مضطهدون وهم لم يقتصروا في أطروحاتهم الفكرية على مبدأ
البحث العلمي والمناظرة والبيان كما هي عادة المختلفين من أهل العلم في كل فن من
الفنون، لكنهم -وهو ما يدفع دعوى الدكتور بكونهم ضحايا ومظلومون- استخدموا سلطة
الدولة لإجبار العلماء على اعتناق آرائهم، فيما عُرف بـ«المحنة» وقد
سُجن وجُلد عدد من كبار علماء الحديث، أشهرهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني
رحمه الله، وذنبه عندهم أنه رفض القول بخلق القرآن!
فالمعتزلة
لم يكونوا ضحايا كما زعم الدكتور، بل كانوا - في مرحلة من التاريخ –
شركاء (السلطان) والمحرضون له في ممارسة الإكراه الديني بواسطة السلطة،
فكيف جاز عند الدكتور في (عقله) أن أهل الحديث وهم خصوم المعتزلة بالدرجة
الأولى هم (شيوخ السلاطين الأمويين)؟!
فقول
الدكتور هاشم (حينما تصدوا لشيوخ السلاطين الأمويين) باطل وكذب على التاريخ
فشيوخ السلاطين منذ ذلك الحين هم المعتزلة ومن ورث فكرهم من سائر الفرق المنتمية
إلى الإسلام وإن خففوا من طبيعة الاعتزال وعقائده إلا أنهم ما زالوا أفراخًا
للمعتزلة أعداء الشريعة!
وتقريبًا
للأمر؛ فإن العبارة الصحيحة في سياقها التاريخي ينبغي أن تكون:
جاء
المعتزلة بعقائدهم المنحرفة وفلسفتهم اليونانية وتقربوا من السلطة فأصبحوا شيوخًا
للسلاطين العباسيين واستَعْدَوْهُم على المخالفين لهم من أهل الحديث فأكرهوهم على
تغيير عقائدهم والقول بخلاف ما جاء في الكتاب والسنة وسجنوهم وجلدوهم وحكموا
بردتهم وضربوا أعناقهم ومارسوا كل أمر -مهما بلغ من السفالة والوضاعة- في سبيل ذلك
حتى جاء الفرجُ من الله فأنقذ المضطهدين من أهل العلم بالمتوكل!
فتأمل
يا رعاك الله كيف أن (العقل زينة)! إذا استعمل الاستعمال الصحيح، ثم تفكَّر
في هذا لتفهم!
2- ادعاء الدكتور بأن العلماء قاموا بإشاعة
عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم:
لعل
من أخطر العبارات التي تفوَّه بها الدكتور هي قوله في مقدمة مقالته بأن العلماء
قاموا بإشاعة (كذا!) عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم، وعليه فإن
تفرد بني أمية بالحكم هو قدر كتبه الله ولا بد من طاعته في ذلك والتسليم لهم
بالسلطة، ومن يخرج عليهم فهو عاص لله ومرتد عن دينه!
فهل
انتقل الدكتور إلى الاعتزال أم أنه يورد ما لا يقول به ولا يفهمه؟!
فقوله
أشاعوا يوهم بأن المسألة باطلة وهو ما يقودنا -عند أدنى قراءة لكلامه- لفهم أنه
يعتقد أن خلقَ الله لأفعال العباد وتقديرها عليهم إنما هو محض إشاعة لا أساس له في
عقائد المسلمين وأن ذلك إنما حصل من العلماء لتبرير أو تقرير أن حكم الأمويين قدر
مكتوب يجب التسليم له فمن خرج عليهم فهو مرتد عن دينه!
وهذا
خلط وخبط وجهل كبير ولعل الدكتور أُتي من منهجه الارتجالي المتفرد الذي يعوزه
الفهم الصحيح لعقائد الإسلام بل وعقائد المخالفين له ففي عقيدة أهل السنة والجماعة
أن الإيمان بالقدر يقوم على أربع مراتب (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق):
-علم
الله السابق: أي أن الله علم كل شيء قبل وقوعه فهو سبحانه يعلم ما كان وما
سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
-كتابة
المقادير: أي أن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات الأرض بخمسين ألف
سنة كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «كتب الله مقادير
الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة».
-مشيئة الله:
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو سبحانه لا يقع في مُلكه إلا ما يريد.
-خلق الله
لجميع المخلوقات وأفعالهم.
هذه
مراتب القدر عند أهل السنة ممن عقل عن الله وعن رسوله ﷺ وفهم مذهب السلف وسلم من
المناهج المعوجة التي خاضت في الباطل حتى ضلت وأضلت عباد الله، وقد ألف العلماء
كتبًا في أفراد هذه المراتب للبخاري منها كتابه (خلقُ أفعال العباد) وقد جاء في
باب أفعال العباد قول البخاري(ص46):
«قال
أبو عبدالله -يعني البخاري-: فأما أفعال العباد فقد حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا
مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش، عن حذيفة -رضي الله عنه-، قال
النبي ﷺ: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] ، فأخبر أن الصناعات وأهلها
مخلوقة»
انتهى!
ومع
قول أهل السنة بخلق أفعال العباد فإنهم يقررون أن الإنسان له إرادة حقيقية وقدرة
حقيقية، وأنه يختار أفعاله، ولذلك يستحق الثواب والعقاب. قال تعالى: ﴿فَمَن
شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. وقال: ﴿لِمَن
شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]. ثم بيّن أن مشيئة العبد لا
تخرج عن مشيئة الله فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].
لذلك لا يقول
أهل السنة إن الله أجبر العباد على أفعالهم ثم عاقبهم عليها، وإنما يقولون: إن الله
خلق العبد، وخلق قدرته وإرادته. والعبد هو الذي يختار الفعل بإرادته وقدرته التي
خلقها الله فيه.
والله علم هذا
الاختيار قبل وقوعه وكتبه، وليس معنى الكتابة أنه أكره العبد على فعله!
ولهذا كان السلف
يفرّقون بين (العلم السابق) و(الكتابة) وبين (الإجبار).
فكتابة الله للشيء لا تعني أنه أجبر العبد عليه، كما أن علم المعلم بأن طالبًا
سيرسب لا يجعل المعلم سببًا في رسوبه.
إذن!
«فالإنسان
مُخيَّرٌ ومُسَيَّرٌ، أعطاه الله عقلًا، وأعطاه الله إرادةً، وأعطاه مشيئةً، فهو
مُخيَّرٌ من هذه الحيثية، يعمل عن مشيئةٍ، وعن إرادةٍ، كما قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ
عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال:67]، وقال: ﴿لِمَنْ
شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا
تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:30]، ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
[آل عمران:153]، ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:36]، فلهم فعلٌ، ولهم مشيئةٌ، ولهم
اختيارٌ، ولكن لا يشاؤون إلا ما شاءه الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا
أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:29]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:22].
فهو مخيَّرٌ من
جهة أنَّ له إرادةً، وله مشيئةً، وله اختيارًا، يعرف الضَّارَّ من النافع، والطيبَ
من الخبيث، يأكل ويشرب باختياره، يزور إخوانه باختياره، ينام باختياره، يقوم
باختياره، له اختيار، يأتي الطاعة باختياره، ويأتي المعصية باختياره، لكن هذا له
مشيئة سابقة، وله قدر من الله سابق، لا يخرج عن ملك الله، ولا عن إرادته -جلَّ
وعلا-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [يس:82].
فهو مُخيَّرٌ من
جهة ما أعطاه الله من المشيئة والقُدرة والاختيار والفهم، ومُسَيَّرٌ من جهة أنه
لا يخرج عن قدر الله». [انتهى من جواب لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله].
فجمهور السلف
على أن الله خلق أفعال العباد وأنه لا يُنكر ذلك إلا أهل الزيغ والانحراف؛ وأنت
ترى أن الدكتور وهو الداعي إلى تدبر القرآن لم يُشر ولو بكلمة إلى دلالة الآيات
الكثيرة على هذه العقيدة التي زعم أنها إشاعة أطلقها علماء بني أمية!!
والمعتزلة لهم
اليد الطولى في نشر هذه الضلالة =(إنكار خلق أفعال العباد) مع كونهم مسبوقين بشيء
منها فقد زعمت (الجبرية) أن العبد مجبور لا اختيار له؛ فسلبوه الإرادة وقابلهم (القدرية
الأوائل) ثم (المعتزلة) فقالوا إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالًا؛ فرارًا من القول
بالجبر فوقعوا بشر من قول الجبرية!
أما
أهل السنة ممن يسميهم الدكتور (السلفيين الاستنساخيين) فرفضوا الطرفين، وأثبتوا أن
الله خالق كل شيء كما أخبر هو عن نفسه، ومن ذلك أفعال العباد.
فالعبد
فاعل حقيقة، وله اختيار وقدرة، وليس مجرد آلة.
ولهذا
قال الإمام الطحاوي في «عقيدته» إن العباد
يعملون حقيقة، والله خالقهم وخالق أعمالهم، دون أن يكون ذلك ظلمًا لهم، لأنهم
يعملون بإرادتهم واختيارهم.
ولهذا
فرَّق أهل العلم بين الإرادة أو المشيئة الكونية (القدر الكوني)، وبين الإرادة أو
المشيئة الشرعية (القدر الشرعي)!
فحكم
الله الكوني: هو ما قضاه الله قدرًا، وهو لا بد أن يقع، ويتعلق بما يحبه الله وما
لا يحبه، كوقوع الموت أو فساد بني إسرائيل.
وأما
الحكم الشرعي: فهو ما أمر الله به أو نهى عنه، ويتعلق بما يحبه الله فقط، وقد
يطيعه الناس أو يعصوه، كالأمر بالعبادة والنهي عن الزنا والشرك.
وكلا
الحكمين أو القدرين مبنيان على الحكمة؛ فالله لا يقضي ولا يشرع إلا لحكمة في الخلق
والتشريع، سواء في كيفية الأشياء أو في الغاية منها.
فنرى
أن تقرير أئمة السلف ليس إشاعة سياسية هدفها تثبيت حكم حاكم ما، بل يقوم على إثبات
النصوص كما جاءت مع إثبات مسؤولية العبد، دون الخوض في كيفية لا دليل عليها.
والخلاصة:
إن القول
بأن «العلماء
أشاعوا عقيدة أن الله يقدر أفعال عباده ويكتبها عليهم» إذا أريد به أن
الله علِم أفعال العباد وكتبها وقدّرها، فهذا لا إشكال فيه فهو من أصول الإيمان
بالقدر عند جمهور المسلمين.
أما
إذا أريد به أن الله أجبر العباد على أفعالهم ثم حاسبهم عليها، فهذا ليس مذهب أهل
السنة، وإنما هو قول نُسب إلى بعض فرق الجبرية، وقد رده جمهور العلماء.
فعلى
الدكتور ألا يكون كحاطب الليل يقول وينقل ما هب ودب من غير فحص ولا نظر فللناس
عقول وأفهام ومعارف يدركون بها الحق من الباطل!
3- إنكار
الدكتور لأحاديث الرجم وحد الردة متابعة منه لأصحاب المدرسة العقلانية:
يظهر
جليًا تأثر الدكتور بأفكار الاعتزال والمدارس العصرية المنكرة للسنة فقوله: «وعززوا
تلك الفكرة -فكرة خلق أفعال العباد- بالبحث في أحاديث نبوية
تبيح قتل المعارض! بعد اذ لم يجدوا ذلك في كتاب الله، فظهرت في ذلك
العصر (أحاديث الرجم) و(قطع رأس المرتد)»!
وردًّا
على هذا الأمر أقول:
أولًا:
ثبوت حد الرجم:
إن
إنكار بعض المعاصرين من أصحاب المدرسة (العقلانية) لحد الرجم بحجة أنه غير
مذكور في القرآن، أو أنه منسوخ، أو أنه مخالف لحرية الاعتقاد يمكن الرد عليه من
عدة وجوه:
1.
ثبوت حد الرجم بالسنة المتواترة عمليًا: فقد ثبت الرجم
عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة رواها عدد كبير من الصحابة، منها: رجمُ ماعز بن مالك.
ورجمُ الغامدية. ورجمُ اليهوديين.
وهو
ثابت بقوله ﷺ وبفعله فقد أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي. قَدْ
جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ
سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ».
وقد
نقل جماعة من أهل العلم أن أحاديث الرجم بلغت حد (التواتر المعنوي)، منهم
ابن عبدالبر، وابن تيمية، وابن حجر.
2.
إجماع الصحابة: إذ لم يُعرف عن أحد من الصحابة إنكار حد الرجم، فقد
طبقه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب -رضي الله
عنهم أجمعين-. وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في خطبته المشهورة التي أخرجها
البخاري ومسلم: « «إِنَّ
اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ
مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا
وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ
طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللهِ مَا نَجِدُ آيَةَ
الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ،
وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ...» (متفق عليه).
وهذا
من أقوى الأدلة في إثبات هذه المسألة؛ لأن عمر -رضي الله عنه- قال ذلك على المنبر
بحضور كبار الصحابة ولم يُنكر عليه أحد.
3.
القرآن أمر باتباع السنة: فالقول بأن الرجم لا يؤخذ لأنه ليس في
القرآن يعارض نصوصًا كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾،
وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، وقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر
لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، فالسنة ليست مصدرًا ثانويًا، بل هي وحي كما قال
تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
وعدم
ورود الحكم الشرعي في القرآن ليس دليلًا على عدم وجوده فأين في القرآن تحريم
الزواج بالمرأة وخالتها والمرأة وعمتها، وأين فيه تحريم زواج المتعة، وأين فيه
تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية، وغيرها من الأمور التي ثبتت حرمتها أو حلُّها في
السنة المطهرة؟!
4.
النسخ في التلاوة دون الحكم: ثبت عند جمهور العلماء أن آية الرجم
نُسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهذا نوع من أنواع النسخ الذي دلت عليه النصوص وآثار
الصحابة.
ثانيًا:
الرد على منكري حد الردة:
يزحم
الحداثيون العصريون أن بعض الحدود التي طبقتها الأمة لقرون طويلة إنما كانت حدودًا
سياسية يلوح بها أرباب السلطة في وجوه المعارضين وينكر بعضهم قتل المرتد محتجًا
بقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾.
والجواب
على ذلك من وجوه:
1.
لا تعارض بين الآية وحد الردة: فقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾
ورد في سياق عدم إكراه الكافر ابتداءً على الدخول في الإسلام فاليهودي والنصراني
يبقيان على دينهما إن أرادا ذلك ولا يكرههما أحد على اعتناق الإسلام عنوة ولهم في
الشريعة أحكام خاصة بهم ليس هذا موضع بسطها.
أما
من دخل في دين الإسلام طواعية مختارًا لذلك ثم ارتد عن دينه فإنه تتجه نحوه أحكام
أخرى ومنها حد الردة فهو إذن فيمن: دخل الإسلام مختارًا. ثم أعلن الخروج عنه على
وجه الردة.
فالموضوعان
مختلفان وفي سياقات مختلفة فلا ترد الآية الكريمة مورد الاعتراض لوجود الفارق وعدم
المناسبة.
2.
النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على مشروعية حد الردة: أخرج
البخاري في صحيحه قول النبي ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه». وأخرج البخاري ومسلم
قوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ثم ذكر منها:
«التارك
لدينه المفارق للجماعة». فهذان الحديثان من أصح الأحاديث في
إثبات حد الردة.
3.
إجماع الصحابة: لعل من أعظم الأدلة التاريخية الثابتة هو ما حصل بعد
وفاة النبي ﷺ من ارتداد بعض العرب فقاتل أبو بكر المرتدين منهم، وأجمع الصحابة على
ذلك إلا ما كان من عمر أول الأمر ثم ما لبث أن وافق أبا بكر بعد ظهور الدليل. ولم
يُنقل عن أحد من الصحابة إنكار أصل عقوبة المرتد.
4. فالردة
ليست مجرد فكرة مجردة يزعمها أي إنسان على غيره: فقد ذكر
كثير من الفقهاء أن الردة التي يقام عليها الحد هي الردة التي تثبت (أمام
القضاء) بعد تحقق شروطها وانتفاء موانعها، وبعد حصول الاستتابة عند جمهور
الفقهاء؛ لذلك فإن إقامة حد الردة -وأي حد منصوص عليه شرعًا- ليست اعتباطية ولا هي
منوطة بالأفراد، فلا حد لمجرد الشبهة، بل هي من اختصاص القضاء والسلطة الشرعية،
وحد الردة أو الحكم بالردة على مسلم أمر مشهور وتواتر في كل العصور الإسلامية وليس
هو سياسيًا كما يزعم البعض وحد الردة حاضر في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية
ويتعلق بإثباته أحكام متعدد.
وبناءً على ما
تقدم فحد الرجم ثابت بالسنة الصحيحة المتواترة عمليًا، وبإجماع الصحابة والفقهاء،
ولا يعارض القرآن لأنه من بيان السنة للوحي.
وحد الردة ثابت
بالأحاديث الصحيحة وإجماع الصحابة، وتطبيقه من اختصاص السلطة القضائية الشرعية بعد
استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وليس للأفراد أن يقيموه بأنفسهم.
فإنكار
هذه الأحكام بدعوى عدم ورودها في القرآن وحده يصطدم بحجية السنة الثابتة، التي
أجمع المسلمون على كونها مصدرًا للتشريع مع القرآن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق