(المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! ...
ردًا على مقال الدكتور هاشم مصطفى الغرايبة)!
(الحلقة الثانية)
(مقدمة تاريخية)
إن الأفكار
التي بُني عليها الاعتزال ظهرت قبل تأسيس هذا الفكر، كالقول بحرية الإنسان المطلقة
فالإنسان عند المعتزلة حر مُختار بشكل مطلق وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه! (معبد
الجهني وغيلان الدمشقي)، وكالقول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله -تبارك
وتعالى- (الجعد بن درهم والجهم بن صفوان). حتى جاء (واصل بن عطاء
الغزَّال [80هـ - 130هـ]) فكان أساس الاعتزال بعد انفصاله عن مجلس (الحسن
البصري) بسبب قوله بـ(المنزلة بين المنزلتين) لمرتكب الكبائر -أي أنَّ مَن
ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالسرقة أو الزنا أو شرب الخمر ونحوها؛ فإنه ليس
بمؤمن ولا كافر، وأنه مُخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت-.
ثم بعد
ذلك انقسمت المعتزلة إلى (فرق متعددة) مع اتفاقها على أصولها الخمسة -وهي:
1-التوحيد. 2- العدل.
3-الوعد والوعيد. 4-المنزلة بين المنزلتين. 5-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-،
وبلغ نفوذها ذروته في العصر العباسي، خاصة في عهد المأمون، حيث تبنى مذهبهم وامتحن
الناس بقولهم فوقعت فتنة (خلق القرآن) بقيادة قاضي القضاة في عهد المعتصم؛ (أحمد
بن أبي دؤاد).
ولما
كان العقل عند المعتزلة نبراسهم ومرجعيتهم -على تفاوت العقول بين أصحابها- انقسمت
المعتزلة إلى فِرق وطوائف تُنسب كل فرقة إلى صاحب مقالتها ومنه تأخذ عقيدتها، حتى
جاء عهد المتوكل سنة: (232هـ) فانتصر لأهل السنة، وأكرم شيخهم وإمامهم الإمام
المبجل أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-، فانتهى عقدٌ ونصف من الزمان كان المعتزلة
يقمعون ويمتحنون أهل السنة بعقائدهم بل ويجبرونهم على القول بها وإلا كان السيف
والنطع هو مصيرهم في صورة وضيعة من الاستبداد واستغلال المناصب للإمعان في الظلم
والإذلال!، واستمر الأمر كذلك حتى جاء عهد دولة (بني بُويه) سنة: (334هـ) في
بلاد فارس تلك الدولة البويهية الدولة الشيعية المُعادية لأهل السنة والإسلام
فنشأت علاقة توافق بين (الشيعة الرافضة البويهيين) وبين (المعتزلة
العقلانيين) الذين كان رأسهم في زمانهم (القاضي عبدالجبار المعتزلي) فارتفع
شأن الاعتزال في دولتهم وعلا نجمهم، قال المقريزي: «إن مذهب الاعتزال فشا تحت
ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر»، ولو لا تبني الشيعة
لفكر الاعتزال لزال إلى الأبد ولذهب رجسه عن المسلمين وأبنائهم!
ثم
ما لبث وأن عاد فكر الاعتزال في زماننا الحاضر بصور متعددة كان أبرز دعاته ورواد
فكره من الكُتاب الحداثيين وما يسمى التنويريين وكثير ممن يُسمَّون بالمفكرين، إلى
أصحاب تجديد الخطاب الديني مرورًا بنفي السنة والاكتفاء بالقرآن وحده (القرآنيون)
وآخرهم أصحاب إعادة بلورة النصوص وفق البيان اللغوي والخواطر والخطرات العقلانية
للوصول إلى وحدة الأديان ولتذويب المسلمين في غيرهم ورائدو هذه المدرسة الأخيرة
القائمون على منصة (مجتمع)، ورأس هؤلاء اليوم الكثير من بقايا (الإخوان
المسلمين) ومدرستهم العقلانية و(الشحروريين) و(الكياليين) ورجيع
الأحزاب اليسارية كالبعثيين والشيوعيين ومن تأسلم منهم!!
ويجدر
الإشارة هنا إلى أن أهم مبدأ اعتزالي وهو ما يُكثر (التحريفيون الجدد) من الدندنة
حوله وهو مسألة (العقل) فعند المعتزلة اعتماد كلي في الاستدلال على العقائد بحيث
يعتمدون على العقل في معرفة حقيقة الأشياء ومنها العقائد على وجه الخصوص فالحكم
على الأشياء عندهم حُسنًا وقُبحًا مرده إلى العقل لا إلى الشرع! فكان من ثمرات
مذهبهم المنحرف نفي الصفات عن الله -عز وجل- لا تأويلها فقط، وكان من أخبث ثمار
هذا الاعتماد على العقل تفسيقهم لأكابر أصحاب النبي ﷺ بسبب ما حصل من فتنة بينهم
يوم الجمل ولم يقبلوا شهادتهم بناءً على هذا الأصل الفاسد، إلى غير ذلك من
انحرافات خطيرة عن الدين تجعل الوحيين في مهب ريح العقول المضطربة المتفاوتة في
الفهم والنظر والإدراك، فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُرًا كل حزب بما لديهم فرحون!
فدعوى
الدكتور أنهم مظلومون دعوى عارية عن البرهان والدليل وكل الأحداث والوقائع تُثبت
أن المعتزلة أمة منحرفة ظالمة لا مظلومة! فوضع هذه الفرقة المتقدمة في عمر
الأمة يوم كان العلماء والأئمة متوافرون يملئون حواضر الإسلام تدليس قبيح وراءه
إعجاب بفكر أشبعه أهل الإسلام ردًا وتضليلًا لا لأنه يدعو إلى العقل فـ (العقل
زينة!) وهو أداة للفهم سخرها الله للإنسان وأمره أن يتفكر فيما خلقه له في هذا
الكون الواسع الفسيح ليزداد إيمانًا مع إيمانه بما جاء به المرسلون وما توارثه
وتناقله العلماء عنهم كابرًا عن كابر من لدن أصحاب الرسل -عليهم الصلاة والسلام-
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فاجتماع علماء السلف في زمن ظهور هذه الفرقة
وتظافرهم على رد انحرافها والقول بتضليلها أمر لا علاقة للسياسة فيه كما يزعم
الدكتور بل لأن الأمر خرج عن كونه خلاف أفهام إلى كونه أداة لهدم أهم أصول
المسلمين ألا وهي العقيدة في الله وفي أنبيائه وفي النصوص الناظمة له.
فهل
الإسلام منع العقل من مهمته التي خُلق لأجلها أم أنه فسح له المجال للنظر والفكر
دون أن يجعله حكمًا على النصوص مراعاة لاختلاف العقول وما يطرأ عليها من تغير وضعف
وقوة وخمول ونشاط فجعلها مرجعًا يُقاس به النص الشرعي ليس من الحكمة بل الحكمة أن
يُجعل الوحي في مكانه والعقل في مكانه ليتآلف الاثنان فإن العقل الصحيح لا يتناقض
ولا يتنافى مع النصوص الشرعية فما يدركه العقل فمجاله النظر والفهم وما لا يدركه
فمجاله التسليم والانصياع والإيمان به، ومحاولة البعض اليوم الاعتذار للمعتزلة أو
الدفاع عنهم خيانة للعلم والعقل معًا بل ومساهمة في نشر خبث الاعتزال بين أبناء
المسلمين حتى صرنا نسمع من بعض العوام ممن لا اطلاع له على كتب العقائد والفقه
أمورًا عجيبة وحججًا واهية يتذرعون بها لما يقترفونه من مخالفات خطيرة وبوائق
كبيرة!
والله
المستعان!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق