21‏/10‏/2013

قول أئمَّة السَّلف -رحمهم الله- في تفسير المقام المحمود!

« المقام المحمود »

قول أئمَّة السَّلف -رحمهم الله- في تفسير المقام المحمود المذكور في قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا}[الإسراء:٧٩].
الحمد لله مكرم الناس ببعثة أفضل الخلق، صاحب الشفاعة والمقام المحمود، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهداه، ومن أثبت له ما يليق بشخصه الشريف من المكرمات والفضائل مما حباه به الله..
أمَّا بعدُ:
قال الإمام ابن جرير الطبري : في «تفسيره» لقول الله تعالى في سورة الإسراء: {عَسَى رَبُّكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا}[الإسراء:٧٩]، بعد أن ساق أقوال أهل التأويل في معنى المقام المحمود وأنَّ منهم من فسَّره بالشفاعة للخلق يوم المحشر، وهو الذي ذهب إليه الإمام ابن جرير : ، حيث قال
«وهذا .. هو الصحيح من القول في تأويل قوله{عَسَى رَبُّكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا}[الإسراء:٧٩]، لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله ، وأصحابه والتَّابعين ».
ولكنَّه : بيَّن أن القول الآخر غيرُ مدفوعٍ صِحَّتُهُ، لا من جهة النظرِ ولا من جهةِ خَبَرٍ صحيح، وهو ما قاله وذهب إليه مجاهدٌ : وجماعة من السَّلف من أنَّ المعنى إنَّما هو :الإقعاد على العرش، فقال:
«فإنَّ ما قاله مجاهد من أنَّ الله يُقعد محمَّدًا على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنَّه لا خبر عن رسول الله ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التَّابعين بإحالة ذلك»اهـ.
قلتُ: 
ثمَّ ساق : مذاهب أهل الإسلام في معنى بينونة الله -سبحانه وتعالى- من خلقه وأن أهل الإسلام في ذلك على ثلاثة مذاهب أُلَخِّصها فيما يلي:
ففرقة قالت: إنَّ الله -عز وجل- بائن من الخلق قبل خلقه لهم وبعد خلقه لهم، لا يكون مماسًّا لشيءٍ منها أبدًا.
وقالت أخرى: إنَّ الله -سبحانه وتعالى- كان قبل خلقهِ الأشياء لا مماسًّا لها ولا مباينًا لها وهو كذلك بعد خلقه الأشياء، لا مماسًّا لها ولا مباينًا لها.
وقالت الثالثة: إنَّ الله -تبارك وتعالى- كان قبل خلقه الأشياء، لا شيء يُماسُّهُ ولا شيء يُباينه فخلق الأشياء فماسَّ منها ما شاء، وباين منها ما شاء.
وعلى قول كل فرقة من المذكورة آنفًا يكون سواء إقعادُ النَّبي  على العرش أو على الأرض.
وقرر الإمام ابن جرير : في نهاية كلامه أن هذه الأقوال الثلاثة ليس في واحدٍ منها ما يمنع ما قاله مجاهد : من أنَّ المقام المحمود الذي وُعِدَ به النَّبي  هو الإقعاد على العرش.
ويظهر بهذا القول أنْ لا موجب للإنكار على من يقول بهذا القول أبدًا، وسأنقل فيما يأتي من الكلام ما قرره أئمَّة السلف ونزعوا إليه من تصحيحهم حديث مجاهد والقول بما فيه من إثبات هذه الفضيلة للنَّبي ، والله المستعان.
أخرج الإمام أبو بكر ابن أبي عاصم في «السُّنَّة» عن عبدالله بن سلام قال: «إذا كان يوم القيامة جيء بنبيِّكم فَأُقْعِد بين يدي الله تبارك وتعالى على كرسيِّه».
وكذلك أخرج هذا الأثر أبو بكر الخلال في كتاب «السُّنَّة» في باب ذكر المقام المحمود، وساق الحديث بأكثر من إسناد عن عبدالله بن سلام، ثُمَّ أخرج : بإسناده عن مجاهد قال: {عَسَى رَبُّكَ أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا}[الإسراء:٧٩] يُجْلِسُهُ على العرش.وذكر بعدها عِدَّة روايات عنه، فيها:
يُجلسه معه على العرش، ويقعده على العرش.
ثُمَّ قال الخلال رحمه الله:
«فسمعت محمَّد بن أحمد بن واصل قال: من ردَّ حديث مجاهد فهو جهمي».
ثمَّ قال :
«وسمعت أبا داود يقول: من أنكر هذا فهو عندنا متهم. وقال: ما زال الناس يحدثون بهذا يريدون مغايظة الجهمية؛ وذلك أن الجهمية ينكرون أن على العرش شيء.
وأخبرنا أبو داود قال ثنا القعنبي قال ثنا مالك قال قال رجل ما كنتَ لاعبًا به فلا تلعبن بدينك».
وقال :: «قال أبو بكر بن أبي طالب: من رده -يعني حديث مجاهد- فقد رد على الله عز وجل ومن كذب بفضيلة النبي  فقد كفر بالله العظيم.
وأخبرني أحمد بن أصرم المزني بهذا الحديث وقال: من رد هذا فهو متهم على الله ورسوله وهو عندنا كافر، وزعم أن من قال بهذا فهو ثنوي فقد زعم أن العلماء والتابعين ثنويه ومن قال بهذا فهو زنديق يقتل».
ثمَّ قال الخلال: :
«وأخبرني محمد بن عبدوس والحسن بن صالح وبعضهما أتم من بعض قالا: ثنا أبو بكر المروذي قال: قال أبوبكر بن حماد المقري: من ذكرت عنده هذه الأحاديث فسكت فهو متهم على الإسلام فكيف من طعن فيها ؟!
وقال أبو جعفر الدقيقي: من ردَّها فهو عندنا جهمي، وحكم من ردَّ هذا أن يُتَّقَا.
وقال عباس الدوري: لا يرد هذا إلا متهم.
وقال إسحاق بن راهويه: الإيمان بهذا الحديث والتسليم له.
وقال إسحاق لأبي علي القوهستاني: من رد هذا الحديث فهو جهمي.
وقال عبدالوهاب الوراق للذي رد فضيلة النبي يقعده على العرش فهو متهم على الإسلام.
وقال إبراهيم الأصبهاني: هذا الحديث حدث به العلماء منذ ستين ومائة سنة، ولا يرده إلا أهل البدع، قال: وسألت حمدان بن علي عن هذا الحديث فقال: كتبته منذ خمسين سنة وما رأيت أحدًا يرده إلا أهل البدع.
وقال إبراهيم الحربي: حدثنا هارون بن معروف: وما ينكر هذا إلا أهل البدع».
قال هارون بن معروف: هذا حديث يُسَخِّنُ الله به أعين الزنادقة، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل السُّلمي يقول: من توهم أنَّ محمدًا لم يستوجب من الله عز و جل ما قال مجاهد؛ فهو كافر بالله العظيم، قال :وسمعت أبا عبدالله الخفاف يقول: سمعت محمد بن مصعب -يعني العابد- يقول: نعم يقعده على العرش ليرى الخلائق منزلته».
ثمَّ أورد : إسنادًا آخر فيه هذه القصة وزاد فيه:
«ثم يصرفه إلى أزواحه وكرامته .
وعن ابن مصعب قال: يجلسه على العرش ليرى الخلائق كرامته عليه ثم ينزل النبي إلى أزواجه وجناته».
ونقل الخلال بإسناده عن إبراهيم الزهري قال: «سمعت هارون بن معروف يقول: ليس ينكر حديث ابن فضيل عن ليث عن مجاهد إلا الجهمية.
وسمعت أبا بكر بن صدقة يقول: قال إبراهيم الحربي يومًا -وذكر حديث ليث عن مجاهد- فجعل يقول هذا حدَّث به عثمان بن أبي شيبة في المجلس على رؤوس الناس فكم ترى كان في المجلس؟ عشرين ألفا؟ فترى لو أن إنسانًا قام إلى عثمان فقال: لا تحدث بهذا الحديث أو أظهر إنكاره، تراه كان يخرج من ثَمَّ إلا وقد قتل؟!
قال أبو بكر بن صدقة: وصدق ما حكمه عندي إلا القتل».
ثم ذكر الخلال أقوال الأئمة في ليث -راوي الحديث عن مجاهد- وأنه غير متهم بالبدعة، وذكر أقوالهم في مجاهد إلى أن ذكر أنه قرأ كتاب «السنة» بطرسوس مرَّات عديدة في سنوات عديدة، حتى بلغه أن قومًا أنكروا حديث المقام المحمود -يعني حديث مجاهد-وأنَّهم ردُّوا فضيلة رسول الله فلمَّا شهد عليهم الثقات بهذا، هجروهم وبيَّنوا أمرهم، وذكر : أنَّه كاتب شيوخه ببغداد في هذا الأمر، وأنهم ردُّوا عليه ووافقوه على القول بحديث مجاهد، وفي كتابهم المذكور التغليظ على من ردَّ القول بالإقعاد على العرش، وأنَّ القائل بردِّه عدوٌّ لله مخالف للأئمَّة وأهل العلم، وأنه بقوله هذا قد انسلخ من الدِّين لتكبره ونفاقه، في كلام طويل جدًّا فيه سردٌ لمذهب السلف في الردِّ على أمثال هؤلاء فانظره فإنَّه مهم.
وكان آخر الكتاب المذكور أن قالوا فيه:
«وإن هذا الحديث لا ينكره إلا مبتدع جهمي، فنحن نسأل الله العافية من بدعته وضلالته فما أعظم ما جاء به هذا من الضلالة والبدع، عَمَدَ إلى حديث فيه فضيلة للنبي فأراد أن يزيله ويتكلم في من رواه، وقد قال النبي : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من ناوأهم»، ونحن نحذر عن هذا الرجل أن تستمعوا منه وممن قال بقوله أو تصدقوهم في شيء، فإن السنة عندنا إحياء ذكر هذا الحديث وما أشبهه مما ترده الجهمية»اهـ.
قلتُ:
فانظر يرحمك الله إلى شديد قولهم فيمن أنكر هذا الحديث، وكيف جعلوا من السُّنَّة إحياء ذِكره، فاللهم ثبتنا على الإيمان والسُّنَّة.
«وقال أبو بكر يحيى بن أبي طالب عن حديث مجاهد: «رواه الخلق عن ابن فضيل عن ليث عن مجاهد، واحتمله المحدِّثون الثقات، وحدَّثوا به على رؤوس الأشهاد لا يدفعون ذلك، يتلقونه بالقبول والسرور بذلك، وأنا فيما أرى أني أعقل منذ سبعين سنة والله ما أعرف أحدًا رده ولا يرده إلا كل جهمي مبتدع خبيث يدعو إلى خلاف ما كان عليه أشياخنا وأئمتنا ... والذي عندنا والحمد لله أنَّا نؤمن بحديث مجاهد ونقول به على ما جاء، ونسلم الحديث وغيره مما يخالف فيه الجهمية من الرؤية والصفات وقرب محمَّد منه ... فهذا ديني الذي أدين الله عز و جل به أسأل الله أن يميتنا ويحيينا عليه»اهـ بتصرف.
وقال أبو داود السجستاني: «.. ما ظننت أن أحدًا يُذكر بالسنة يتكلم في هذا الحديث».
«وقال محمد بن عمران الفارسي الزاهد: ما ظننت أنه يكون في المسلمين ولا في المؤمنين الصادقين ولا في العلماء المتفقهين ولا في العارفين العابدين ولا في الضلال المبتدعين أحد يستحل في عقد ديانته أو بدعته الطعن على رسول الله وردِّ فضيلة فضله الله بها وخصه بها ...فأما قول المسلمين المقام المحمود الشفاعة فإنا لا ندفع ذلك... بل صدق رسول الله أن الله عز وجل يشفعه في وقت ما يأذن له بالشفاعة ويكرمه بما أحب من الكرامة حتى يعرف أولياءه وأنبياءه كرامته وفضله... فكذلك الجلوس في وقت والشفاعة في وقت»اهـ بتصرف واختصار.
قال أبو موسى غفر الله له:
وهذا الذي نعتقده وندين الله به من أن المقام المحمود هو الإجلاس على العرش، وأن الشَّفاعة مقام آخر لا تَدْفَعُ إحدى الفضيلتين الأخرى، بل الكلُّ حقٌّ، ونرجوا له المزيد من العلو والرفعة يوم القيامة، فوالله ما أنقذنا الله من الكفر والضلال إلَّا به صلوات ربِّي وسلامه عليه، وحشرنا في زمرته وحزبه يوم القيامة. آمين.
فهذه طائفة -مختصرة- من أقوال أئمة السلف في هذا المسألة وإن ما نقلناه من أقوالهم يشعر أنَّ هناك إجماعًا منهم رحمهم الله على ثبوت هذه الفضيلة ولم ينكر هذا في القرون الثلاثة إلَّا الجهمية والمبتدعة أعاذنا الله من نحلتهم وشرِّهم.
فظهر بما نقلنا أنَّ المقام المحمود هو الإقعاد على العرش وأنَّه غير مدفوع البتَّة كما قال ذلك ابن جرير الطبري : ، وظهر أنَّ الحديث وإن كان في إسناده من هو متكلم فيه من قبل أهل الحديث -وهو ليث بن أبي سليم-، إلَّا أنَّهم قبلوا روايته هذه عن مجاهد ولم يردُّوها بل ولم ينقلوا عن أحد أنَّه أنكرها إلَّا مبتدع ضال جهمي زنديق. والله أعلم.
هذا ما تيسر جمعه في هذه المسألة، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو موسى أحمد بن عيَّاش بن موسى الغرايبة الأردني
3/3/1432هـ
* * *

12‏/10‏/2013

وقت التكبير في أيام العيد وهل هو دبر الصلوات المفروضة أم لا؟

]منقول]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
 
قال العلامة صدِّيق حسن خان رحمه الله :
و أما تكبير أيام التشريق : فلا شك في مشروعية مطلق التكبير في الأيام المذكورة , ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص , ولا عدد مخصوص , بل المشروع الإستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات , فما جرت عليه عادة الناس اليوم استناداً إلى بعض الكتب الفقهية من جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات , وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة , وقصر المشروعية على ذلك فحسب , ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم , وأصح ما ورد فيه عن الصحابة أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى (الروضة الندية (1/388 ) .

: وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة
الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله ونائبه عبد الرزاق عفيفي رحمه الله (والعضو) الشيخ عبد الله بن قعود .
السؤال التالي : ( فتوى رقم 6043 )
أمر الله تعالى بذكره مطلقاً أيام التشريق , ما دليله , وما صفته , وعدد مراته ؟
الجواب : أمر الله تعالى بذكره مطلقاً أيام التشريق , فقال : )وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ( البقرة 203 ) ولم يثبت في القرآن ولا في السنة النبوية عقب الصلوات الخمس أيام التشريق تحديد عدد ولا بيان للكيفية , وأصح ما ورد في صفة التكبير في ذلك ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان الفارسي رضي الله عنه , أنه قال : ( الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا ) , وقيل : يكبر ثنتين , بعدهما : لا إله إلا الله والله أكبر , الله أكبر ولله الحمد . جاء ذلك عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما .
وبالله التوفيق . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
.
وسئل الشيخ العلامة الألباني رحمه الله :
حكم التكبير المقيد بعد الصلوات وهل يقدمه على الأذكار المشروعة أم يبدأ بالأذكار أولاً ؟
ليس فيما نعلم للتكبير المعتاد دبر الصلوات في أيام العيد ليس له وقت محدود في السُّنَّة, و إنما التكبير هو من شعار هذه الأيام . بل أعتقد أن تقييدها بدبر الصلوات أمر حادث لم يكن في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فلذلك يكون الجواب البدهي أن تقديم الأذكار المعروفة دبر الصلوات هو السُّنَّة ، أمَّا التكبير فيجوز له في كل وقت (سلسلة أشرطة الهدى والنور _ شريط رقم 392) .

* وقال الشيخ العلامة الألباني رحمه الله :
ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة , أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الإجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض , وكذلك كلُّ ذِكرٍ يُشرع فيه رفع الصوت أو لا يُشرع , فلا يُشرع فيه الإجتماع المذكور , فلنكن على حذر من ذلك ( سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/121).

: وقال الشيخ العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله :
ما اعتاده الناس أيام التشريق عقب الصلوات أنهم يكبرون , وهذا ليس بمشروع , بل التكبير مطلق , أعني أنك تبدأ عقب الصلوات بالأذكار المشروعة التي تقال عقب الصلوات ثم تكبر سواء عقب الصلوات أم في الضحى , أم في نصف النهار أو في آخر النهار , أو في نصف الليل ( قمع المعاند ص 366 ) .

وهذه فتوى أخرى للشيخ الألباني رحمه الله :
السائل: هل يقيد التكبير في أيام التشريق فيما بعد الصلوات؟
الشيخ: لا، لا يقيد؛ بل تقييدُه مِن البدع؛ إنما التكبير بكل وقتٍ من أيام التشريق.
السائل: وأيام العشر؟
الشيخ: وأيام العشر كذلك.
[سلسلة الهدى والنور: الشريط: (410)، الدقيقة: ( 00:36:12 )

أقوال علماء السنة في بيان أن التكبير الجماعي بدعة
* قال العلامة ابن الحاج _رحمه الله_ (المتوفى سنة 737 هـ ) :
السنة أن يكبر الإمام في أيام التشريق دبر كل صلاة تكبيراً يسمع نفسه ومن يليه , ويكبر الحاضرون بتكبيره , كل واحد يكبر لنفسه ولا يمشي على صوت غيره على ما وصف من أنه يسمع نفسه ومن يليه فهذه هي السنة . أما ما يفعله بعض الناس اليوم من أنه إذا سلم الإمام من صلاته كبر المؤذنون على صوت واحد , والناس يستمعون إليهم ولا يكبرون في الغالب , و إن كبر أحد منهم فهو يمشي على أصواتهم فذلك كله من البدع إذ أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده .(المدخل ( 2 / 440 )

وقال الإمام الشاطبي _ رحمه الله _ (المتوفى سنة 790 هـ) :
بعد أن ذكر تعريف البدعة فعدد منها أنواعًا فقال : ومنها : التزام الكيفيات والهيئات المعينة , كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد . (الإعتصام ( 1/ص53 ) .

* وقال الإمام الشوكاني رحمه الله :
والظاهر أَن تكبير التَّشريق لا يختصُّ استحبابه بعقب الصَّلواتِ ، بل هو مستحب في كلِّ وقت من تلك الأيام كما تدل على ذلك الآثار . ( نيل الأوطار 6/10) وانظر (الروضة الندية (1/389) .

وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : السؤال التالي:
توجد ظاهرة وهي أن التكبير يوم العيد قبل الصلاة يكون جماعياً ويكون في ميكرفون وكذلك في أيام التشريق يكون جماعياً في أدبار الصلوات فما حكم هذا ؟؟
الجواب : التكبير في عشر ذي الحجة ليس مقيداً بأدبار الصلوات وكذلك في ليلة العيد _ عيد الفطر _ ليس مقيداً بأدبار الصلوات , فكونهم يقيدونه بأدبار الصلوات فيه نظر , ثم كونهم يجعلونه جماعياً فيه نظر _ أيضاً _ لأنه خلاف عادة السلف , وكونهم يذكرونه على المآذن فيه نظر , فهذه ثلاثة أمور كلها فيها نظر , والمشروع في أدبار الصلوات أن تأتي بالأذكار المعروفة المعهودة ثم إذا فرغت كبِّر , وكذلك المشروع ألا يكبر الناس جميعاً , بل كل يُكبِّر وحده هذا هو المشروع كما في حديث أنس أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم المهلُّ , ومنهم المكبر ولم يكونوا على حال واحد .
( لقاءات الباب المفتوح _سؤال رقم ( 97 ) المجلد الأول ص ( 55 ) .

* وسئل رحمه الله :
يوجد في مساجد بعض المدن في يوم العيد قبل الصلاة يقوم الإمام بالتكبير من خلال المكبر ويكبر المصلون معه , فما الحكم في هذا العمل ؟
الجواب : هذه الصفة التي ذكرها السائل لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه , والسنة أن يكبر كل إنسان وحده . ( فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين رحمه الله ص ( 305
 ) .
* و إليك رسالة توضح ما سبق للشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله :
بيان وتوضيح حول حكم التكبير الجماعي قبل صلاة العيد .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين , وبعد فقد اطلعت على ما نشره فضيلة الأخ الشيخ : أحمد بن محمد جمال - وفقه الله لما فيه رضاه - في بعض الصحف المحلية من استغرابه لمنع التكبير الجماعي في المساجد قبل صلاة العيد لاعتباره بدعة يجب منعها ، وقد حاول الشيخ أحمد في مقاله المذكور أن يدلل على أن التكبير الجماعي ليس بدعة وأنه لا يجوز منعه ، وأيد رأيه بعض الكتاب ؛ ولخشية أن يلتبس الأمر في ذلك على من لا يعرف الحقيقة نحب أن نوضح أن الأصل في التكبير في ليلة العيد ، وقبل صلاة العيد في الفطر من رمضان ، وفي عشر ذي الحجة ، وأيام التشريق ، أنه مشروع في هذه الأوقات العظيمة وفيه فضل كثير؛ لقوله تعالى في التكبير في عيد الفطر : { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَاهَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وقوله تعالى في عشر ذي الحجة وأيام التشريق { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } الآية ، و قوله عزوجل : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } الآية .
ومن جملة الذكر المشروع في هذه الأيام المعلومات والمعدودات التكبير المطلق والمقيد ، كما دلت على ذلك السنة المطهرة وعمل السلف . وصفة التكبير المشروع : أن كل مسلم يكبر لنفسه منفردا ويرفع صوته به حتى يسمعه الناس فيقتدوا به ويذكرهم به .
أما التكبير الجماعي المبتدع فهو أن يرفع جماعة - اثنان فأكثر - الصوت بالتكبير جميعا يبدءونه جميعا وينهونه جميعا بصوت واحد وبصفة خاصة . وهذا العمل لا أصل له ولا دليل عليه ، فهو بدعة في صفة التكبير ما أنزل الله بها من سلطان ، فمن أنكر التكبير بهذه الصفة فهو محق ؛ و ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد }: أي مردود غير مشروع . وقوله صلى الله عليه وسلم : { وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة }. والتكبير الجماعي محدث فهو بدعة . وعمل الناس إذا خالف الشرع المطهر وجب منعه وإنكاره ؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة ، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية ، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات ، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السنة أو إجماع قطعي . والمشروع أن يكبر المسلم على الصفة المشروعة الثابتة بالأدلة الشرعية وهي التكبير فرادى.
وقد أنكر التكبير الجماعي ومنع منه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية - رحمه الله -
وأصدر في ذلك فتوى ، وصدر مني في منعه أكثر من فتوى، وصدر في منعه أيضا فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
وألف فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري رحمه الله رسالة قيمة في إنكاره والمنع منه، وهي مطبوعة ومتداولة وفيها من الأدلة على منع التكبير الجماعي ما يكفي ويشفي - والحمد لله - أما ما احتج به الأخ الشيخ أحمد من فعل عمر رضي الله عنه والناس في منى فلا حجة فيه ؛ لأن عمله رضي الله عنه وعمل الناس في منى ليس من التكبير الجماعي ، وإنما هو من التكبيرالمشروع ؛ لأنه رضي الله عنه يرفع صوته بالتكبير عملا بالسنة وتذكيرا للناس بها فيكبرون ، كل يكبر على حاله ، وليس في ذلك اتفاق بينهم وبين عمر رضي الله عنه على أن يرفعوا التكبير بصوت واحد من أوله إلى آخره ، كما يفعل أصحاب التكبير الجماعي الآن ، وهكذا جميع ما يروى عن السلف الصالح - رحمهم الله - في التكبير كله على الطريقة الشرعية ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل ، وهكذا النداء لصلاة العيد أو التراويح أو القيام أو الوتر كله بدعة لا أصل له ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة ، ولم يقل أحد من أهل العلم في ما نعلم أن هناك نداء بألفاظ أخرى ، وعلى من زعم ذلك إقامة الدليل ، والأصل عدمه ، فلا يجوز أن يشرع أحد عبادة قولية أو فعلية إلا بدليل من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة أو إجماع أهل العلم - كما تقدم - لعموم الأدلة الشرعية الناهية عن البدع والمحذرة منها ، ومنها قول الله سبحانه : { أم لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } ومنها الحديثان السابقان في أول هذه الكلمة ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد }. متفق على صحته .
وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة : { أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة } . خرجه مسلم في صحيحه ، والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة. والله المسئول أن يوفقنا وفضيلة الشيخ أحمد وسائر إخواننا للفقه في دينه والثبات عليه ، وأن يجعلنا جميعا من دعاة الهدى وأنصار الحق ، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من كل ما يخالف شرعه إنه جواد كريم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
 

08‏/10‏/2013

متى يصار إلى تعدد القصة الواحدة أو تعدد حدوثها؟

إذا اتحد مخرج الحديث، وتشابهت قصته، فالأصل عدم التعدد، أمّا إذا اختلف المخرج، واختلفت القصة، ولم يمكن جعلهما قصة واحدة، عندها يصار إلى دعوى تعدد القصة.
وبعض الناس لهم ولع بالمصير إلى التعدد، لأدنى مخالفة!
ومن ذلك أن بعضهم لمّا رأى بين الروايات في غزوة ذات الرقاع نوع اختلاف صار إلى أن غزوة ذات الرقاع تعددت حدثت مرة قبل الخندق ومرّة بعد الخندق!
وهؤلاء ناقشهم ابن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد(3/224)، وأنا أذكر كلامه عن الغزوة وتعقبه على هؤلاء، حيث قال عليه الرحمة والرضوان: "ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوة ذات الرقاع وهي غزوة نجد فخرج فى جمادى الأولى من السنة الرابعة وقيل : في المحرم يريد محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري وقيل : عثمان بن عفان وخرج في أربعمائة من أصحابه وقيل : سبعمائة فلقي جمعا من غطفان فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزاة وصلاة الخوف بها وتلقاه الناس عنهم؛
وهو مشكل جدا فإنه قد صح أن المشركين حبسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غابت الشمس وفي السنن و مسند أحمد والشافعي رحمهما الله أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا وذلك قبل نزول صلاة الخوف والخندق بعد ذات الرقاع سنة خمس والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة صلاها للخوف بعسفان كما قال أبو عياش الزرقي : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد فقالوا : لقد أصبنا منهم غفلة ثم قالوا : إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين وذكر الحديث رواه أحمد وأهل السنن وقال أبو هريرة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بين ضجنان وعسفان محاصرا للمشركين فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأموالهم أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة فجاء جبريل فأمره أن يقسم أصحابه نصفين وذكر الحديث قال الترمذي : حديث حسن صحيح ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق وقد صح عنه أنه صلى صلاة الخوف بذات الرقاع فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان ويؤيد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري شهدا ذات الرقاع كما في الصحيحين عن أبي موسى أنه شهد غزوة ذات الرقاع وأنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق لما نقبت وأما أبو هريرة ففي المسند و السنن أن مروان بن الحكم سأله : هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ؟ قال : نعم قال : متى ؟ قال : عام غزوة نجد وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وأن من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهما ظاهرا ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين فمرة قبل الخندق ومرة بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظها أو تاريخها ولو صح لهذا القائل ما ذكره ولا يصح لم يمكن أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى لما تقدم من قصة عسفان وكونها بعد الخندق ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير منسوخ وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها وهذا أحد القولين في مذهب أحمد رحمه الله وغيره لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها وأنها بعد الخندق.
فالصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من هذا الموضع إلى ما بعد الخندق بعد خيبر وإنما ذكرناها ها هنا تقليدا لأهل المغازي والسير ثم تبين لنا وهمها وبالله التوفيق.
ومما يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع قال : كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة فأخذ السيف فاخترطه فذكر القصة وقال : فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان وصلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق بل هذا يدل على أنها بعد عسفان والله أعلم
وقد ذكروا أن قصة بيع جابر جمله من النبي صلى الله عليه وسلم كانت في غزوة ذات الرقاع وقيل : في مرجعه من تبوك ولكن في إخباره للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية أنه تزوج امرأة ثيبا تقوم على أخواته وتكفلهن إشعار بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه ولم يؤخر إلى عام تبوك والله أعلم
وفي مرجعهم من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فجاء ليلا وقد أرصد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئة للمسلمين من العدو وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر فضرب عبادا وهو قائم يصلي بسهم فنزعه ولم يبطل صلاته حتى رشقه بثلاثة أسهم فلم ينصرف منها حتى سلم فأيقظ صاحبه فقال : سبحان الله هلا أنبهتني ؟ فقال : إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها وقال موسى بن عقبة في مغازيه : ولا يدرى متى كانت هذه الغزوة قبل بدر أو بعدها أو فيما بين بدر وأحد أو بعد أحد. ولقد أبعد جدا إذ جوز أن تكون قبل بدر وهذا ظاهر الإحالة ولا قبل أحد ولا قبل الخندق كما تقدم بيانه"اهـ

من فوائد شيخنا الدكتور محمد بن عمر بازمول -حفظه الله تعالى-.

01‏/10‏/2013

ترسيخ المجملات دون تفصيل من مسالك أهل البدع - لفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عمر بازمول حفظه الله!

ترسيخ المجملات دون تفصيل من مسالك أهل البدع


من مسالك أهل البدع : أن يهتموا بترسيخ المعاني المجملة في أذهان الناس، دون بيان ما يبينها من تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تفسير غريب أو مبهم.
وهذا من اتباع المتشابه، الذي ذمّه الله تعالى في القرآن العظيم.
قال تبارك وتعالى: ]هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[ (آل عمران:7).
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ e هَذِهِ الْآيَةَ: ]هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ"([1]).
قال ابن تيمية رحمه الله: "لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء، لا يريدون بالمجمل مالا يفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك؛ بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقا.
كما في قوله تعالى: ?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا? [التوبة: من الآية 103] فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم ليست مما لا يفهم المراد به، بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل؛ فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم وهذا إنما يعرف ببيان الرسول؛
ولهذا قال احمد: يحذر المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس.
وقال: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس.
قال: يريد بذلك أن لا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص هل تدفعه؛ فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس؛ فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثا يطمئن القلب إليه وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك، وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة؛ ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي وأصحابه طريق أهل البدع وله في ذلك مصنف كبير.
وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع؛
ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولا فاسدا، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وقوله تعالى: ?يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم? [النساء: من الآية11] سماه عاما، وهو مطلق في الأحوال يعمها على طريق البدل، كما يعم قوله: ?فَتَحْرِيرُ رَقَبَة? [المجادلة: من الآية3] جميع الرقاب لا يعمها كما يعم لفظ الولد للأولاد، ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن بل أخذ بما ظهر له مما سكت عنه القرآن، فكان الظهور لسكوت القرآن عنه لا لدلالة القرآن على أنه ظاهر، فكانوا متمسكين بظاهر من القول لا بظاهر القول، وعمدتهم عدم العلم بالنصوص التي فيها علم بما قيد، وإلا فكل ما بينه القرآن وأظهره فهو حق، بخلاف ما يظهر للإنسان لمعنى آخر غير نفس القرآن يسمى ظاهر القرآن كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية والخوارج والشيعة"اهـ([2]).
ومراد أهل البدع من سلوك هذه الجادة أن يهيئوا عقول الناس للمعاني التي يريدونها، بحيث يتقبل قولهم، ولا ينازعون فيه.
ولأضرب لك مثالاً على هذا :
من المعاني المقررة في الشرع : أن المؤمنين في كل مكان أخوة، وهذا بنص القرآن العظيم: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[ (الحجرات: من الآية10).
وأن المسلم يشعر بأخيه المسلم في كل مكان.
وأن لا حدود تفصل بين المسلمين.
ويقول شاعرهم:
أخـي  في الهند أو فـي المغربي      أنا منك أنت مني أنت بي
لا تسل عـن مولدي عن نسبي      إنه الإسـلام  أمي و أبي
وتضخم قضية أن الحدود من صنع الاستعمار!
فيتم التركيز على هذه المعاني المجملة العامة، دون تفصيل، حتى تستقر في الأذهان، دون بيان أو تفصيل أو تخصيص أو تقييد.
ماذا ينتج في النفوس من هذا الطرح المجمل؟!
تترسخ في الأذهان عدة قضايا سلبية جداً، تجعل عقل المسلم يتقبل مفارقة جماعة المسلمين، والخروج عن السمع والطاعة لولاة الأمور؛
فمن هذه القضايا:
القضية الأولى :
بما أن الحدود الدولية من رسم الاستعمار.
وبما أن ولي الأمر يستعمل هذه الحدود للتفريق في الأنظمة بين المسلمين، خارج وداخل هذه الحدود.
إذا ولي الأمر صنيعة للاستعمار!!
القضية الثانية :
بما أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وبما أن ولاة الأمر يضعوا نظاماً يفعِّل هذه الحدود.
إذا لا طاعة لولاة الأمر في ذلك.
القضية الثالثة:
إذا هجم الكفار على أي بلد إسلامي؛
بما أن الحدود بين بلدان المسلمين باطلة.
وبما أنه لا طاعة لولاة الأمر في تفعيل هذه الحدود.
إذا يجب علينا جهاد الدفع، لأن بلدان المسلمين واحدة، وكلنا أمة واحدة!
القضية الرابعة :
إذا كانت بلاد المسلمين واحدة.
وإذا كان المسلمون أمة واحدة.
فإن ولي الأمر هو الذي يكون سلطانه على جميع البلاد.
فينتج أن هؤلاء الولاة على البلدان (الدول) لا ولاية منعقدة لهم!
القضية الخامسة :
إذا كان هؤلاء الولاة لا تنعقد لهم ولاية.
والولاية إنما تكون للإمام الأعظم.
إذا يجوز الخروج عليهم عند أول فرصة تسنح لذلك، لإقامة الدولة الإسلامية!!
وبناء على هذه القضايا ؛ فإن الوطنية والانتماء على الوطن معنى ينافي الإسلام!!
تأمل - يا رعاك الله - في هذه النتائج الخطيرة، المترتبة على هذا الطرح المجمل لقضية هي في أصلها صحيحة، ولكنها تحتاج إلى تبيين وتوضيح، والإغراق في طرحها يؤدي إلى ترسيخ معان غير مرادة شرعاً.
ولتبيين الأمر من الناحية الشرعية أقول:
الدولة الإسلامية انقسمت إلى دول و دويلات منذ انتهاء دولة بني أمية؛ فقد كانت الدولة العباسية في المشرق، وقامت الدولة الأموية في المغرب بالأندلس، ولم ينكر العلماء ذلك، ولم يزعم أحد أن لا ولاية لهذه الدولة أو تلك على رعاياها.
بل انقسمت الدولة العباسية إلى ولايات متعددة، ولكل دولة حدودها، ونظامها، ولم يقل أحد من العلماء في ذلك الوقت: إن هذه الحدود بين الدول، باطلة، و لا اعتبار بها!
فإقرار الحدود بين الدول، وإقرار انعقاد الولاية في كل جهة، لمن تغلب عليها  محل إجماع بين أهل العلم.
قال أحمد بن حنبل (ت241هـ) رحمه الله: "والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين".اهـ([3]).
وقال ابن تيمية الحراني (ت728هـ) رحمه الله: "والسُّنّة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوّابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل حال إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق"اهـ([4]).
وقـال محمد بن عبد الوهاب (ت1206هـ) رحمه الله: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء.
ولولا هذا ما استقامت الدنيا لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم"اهـ([5]).
وقال أيضاً رحمه الله: "من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا ، فبين  النبي r هذا بيانا شائعا ذائعا ، بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم ، فكيف العمل به؟! "([6]) .
وقال الشوكاني (ت1250هـ) رحمه الله: "لما اتسعت أقطار الإسلام، ووقع الاختلاف بين أهله، واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان؛ اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه. وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد، بل هو إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله r إلى هذه الغاية"اهـ([7]).
وحتى في مسألة الجهاد، لما صورها الفقهاء، وذكروا محل جهاد الدفع، وقع تصويره على أساس أن للمسلمين بلداناً متعددة، فقالوا: إذا هجم الكفار على أهل بلد أو حاصروهم، وجب على أهل البلد دفعهم، فإن عجزوا وجب على الذين يلونهم نصرتهم، فإن عجزوا وجب على الذين يلونهم نصرتهم، حتى يعم الوجوب الجميع!
وأنت إذا نظرت إلى عبارة الفقهاء وجدتها قائمة على أساس التسليم بالحدود لكل بلد، وأن الحكم يختلف من بلد إلى بلد؛ من ذلك:
أن البلد المعتدى عليه يجب على أهله جهاد الدفع، والبلدان التي تليه يجب عليها النصرة لا جهاد الدفع.
أن البلدان تختلف بحسب قدرتها وقوتها على النصرة، لذلك ذكر العجز.
وهذا فيه التسليم بقضية أن المسلمين في كل بلد يختلف حالهم وحكمهم عن البلد الآخر.
والخلاصة :
أن قضية : أن المسلمين أخوة. وأن لا حدود بين المسلمين. وأن الحدود من صنع الاستعمار.
هذا حق؛ ولكن لابد من التفصيل فيه، ليعرف ويتبين، حتى لا تبنى عليه أحكام باطلة.
فإن المسلمين أمة واحدة؛ لكن لا ينافي ذلك الحدود بين دولة مسلمة وأخرى.
و لا ينافي ذلك أن ينظر الإمام فيما هو الأفضل والأكثر حظاً لأهل بلده، كالأب مع عياله، وأسرته، فهل ينافي كون المسلمون أمة واحدة، أن يهتم كل رب أسرة بما يصلح شأن أسرته ورعيته؟! كذا الوالي في كل دولة من دول المسلمين.
و لا ينافي ذلك أن يجب الجهاد على بعضهم دون بعضهم، لأن أهل البلد المداهمة أو المحصورة إذا عجزت وجبت نصرتها مع القدرة على التي تليها، ومن لا قدرة له لا تجب عليه النصرة، إذ القدرة مناط التكليف.
و لا ينافي ذلك صحة وانعقاد الولاية لكل من تغلب على أهل جهة، مقيماًً فيهم شرع الله، إذ ولي الأمر في الشرع هو الإمام الأعظم، ومن تغلب على أهل جهة، وصلح له الأمر، وهذا محل إجماع!
و لا ينافي ذلك الانتماء إلى الوطن، والسمع والطاعة لولاة الأمر، والسعي بالنظر فيما فيه عز الوطن ورفعته، بين الدول، بل هذا من مقتضى أن المسلم ينتمي إلى هذه البلد دون الأخرى، المهم أن لا يكون في هذا الانتماء ما يخالف الشرع؛ فالوطنية انتماء إلى الأرض برباط الدين بما لا يخالف الشرع.
والرسول e حن إلى بلده، في وقت كان الشرك والكفر هو المتغلب عليها؛
عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيَّ أخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ e وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"([8])
وعليه فإن لهؤلاء الولاة السمع والطاعة في المعروف، و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق!
و لا يجوز الخروج عليهم.
و لا تهييج الناس عليهم.
فانظر ماذا ترتب على إطلاق العبارات البراقة، التي وإن كانت حق، لكن ترك البيان والتفصيل فيها، واستعمالها على إجمالها، ينتج هذه المفاسد والشرور؟!
ولذلك هو من مسالك أهل البدع!
فإن قلت : يا أخي أنت تضخم الأمر، وتأتي بأشياء لا وجود لها إلا في خيالك!
فالجواب:
هذا الذي ذكرته لك، هو واقع ملموس، أليس لدى الكثير من الدعاة، خصوصاً المعاصرين من أصحاب المناهج الدعوية المخالفة، اعتقاد أنه ليس للمسلمين اليوم جماعة يرجعون إليها، ذات ولاية ببيعة شرعية!
وأنه ليس في الأرض اليوم جماعة للمسلمين, بالمراد الشرعي للجماعة، التي ورد في النصوص الشرعية ذكرُها والحثُّ على لزومها، وتحريمُ الخروج عليها.
وبناءً على هذا الاعتقاد الفاسد يوجبون على الأمة الإسلامية أن تسعى لإيجاد الجماعة حسب هذا المفهوم الباطل.
بل يرون السعي في إيجادها ونصب الإمام العام فرض عين، على كل فرد مسلم، حتى توجد الخلافة العامة، التي تدين لها الأمة كلها، من أدناها إلى أقصاها، للخليفة فيها بالولاء والنصرة والمرجعية([9]).
ويترتب على هذا التأصيل؛ اعتقاد فاسد وهو: أن الجماعة غير موجودة الآن؛ لأن الآراء منذ قرون عديدة لم تتفق على إمام واحد لجميع المسلمين بعقد بيعة شرعية([10]).
 ويترتب على هذا المعتقد الضال الفاسد أمور منها:
إباحةُ الخروج على جميع الحكومات الإسلامية حتى حكومة المملكة العربية السعودية؛ لأن المسلمين لم يتفقوا كلهم على أن يبايعوا إمامها إماماً عاماًّ لجميع المسلمين، فذلك حسب هذا المعتقد الفاسد يبيح لهم اعتبار الحكومات غير شرعية لأنها متعددة، واعتقاد عدم وجود حكومة شرعية للمسلمين اليوم.
ويترتب عليه المخالفة التامة لسنة الرسول r، في تحديد المراد الشرعي بالجماعة.
ويترتب عليه منازعة ولاة الأمور في ولاياتهم ، أي منازعة الأمر أهله، وهذا لا يجوز.
وقد ترتب أيضاً على ذلك المفهوم الباطل، ما تسميه بعض الجمعيات الدعوية ضابطاً لشرعية عمل أي جماعة دعوية أخرى، وهو: أن يكون عملها "مما يؤيد الإمام العام، ويكون عوناً له، في الواجبات التي ألقاها الله على عاتقه، من إقامة شرع الله في الأرض، والجهاد في سبيله"([11]) .
واختم بأن هذا الطرح يخالف الإجماع المنعقد بوجوب البيعة لمن تغلب على المسلمين في جهة وأقام فيهم شرع الله تعالى، وقد حكى هذا الإجماع الشوكاني و محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله([12]).
وأليس هناك من دعى إلى ضرورة الانتماء إلى الجماعات الإسلامية، زاعماً أن جماعة المسلمين، هي هذه الجماعات الإسلامية القائمة الآن ، المعروفة بأسمائها وقادتها ونظمها وأعضائها. كالإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ ، وحزب التحرير، وغيرها ، من الجماعات الإسلامية القائمة الآن ، المعروفة بأسمائها وقادتها ونظمها وأعضائها.
قالوا: لأنها كلها ليست إلا وسائل للدعوة جائزة.
وقالوا: إنه لا يضير المسلم  أن يختار من هذه الجماعات - التي ليست إلا وسيلة للدعوة - جماعةً ، يراها أقرب إلى الحق والصواب!!
و يريدون بهذه الجماعات تحقيق الطريق إلى الجماعة الأم بزعمهم!([13])


([1]) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب ]منه آيات محكمات[، حديث رقمن (4547)، ومسلم في كتاب العلم باب النهي عن اتباع المتشابه، حديث رقم (2665).
([2]) مجموع الفتاوى (7/391-392).
([3]) أصول السنة رواية عبدوس ص64  .
([4]) مجموع الفتاوى (34 / 175 ، 176).
([5]) الدرر السنية (ط 5/1416هـ) (9/5) .
([6]) الدرر السنية (ط 5/1416هـ)(9/5 – 7).
([7]) السيل الجرار (4/502)، وانظر السيل الجرار (4/512).
([8]) أخرجه أحمد في المسند (4/305)، وأخرجه الدارمي في كتاب السير باب إخراج النبي e من مكة، تحت رقم (2552) (3/1632 أسد)، والترمذي في كتاب المناقب، باب في فضل مكة، تحت رقم (3925)، وابن ماجة في كتاب المناسك باب فضل مكة، تحت رقم (3108)، والنسائي في (السنن الكبرى)كتاب الحج، باب فضل مكة (4/247-248، تحت رقم 4238-4239)، وابن حبان (الإحسان9/22، تحت رقم 3708)، والحاكم في المستدرك (3/7، 280، 431).
     والحديث قال الترمذي عنه: "حسن غريب صحيح"اهـ، وصححه ابن حبان والحاكم، ومحقق الإحسان، محقق سنن الدارمي.
([9]) ينظر: رسالة ماجستير ، بعنوان : الطريق إلى جماعة المسلمين ، تقدم بها حسين بن محمد بن علي جابر، إلى شعبة السنة المشرفة ، بالجامعة الإسلامية، وقد نال صاحبها الامتياز مع الشرف، بإشراف ، الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميرة ،  نشر دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع ـ المنصورة . ش . م . م ،  وكتاب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ، دراسات حول الجماعة والجماعات ، تأليف عبد الحميد هنداوي   ط2/ عام 1416هـ، 15-19. نشر: مكتبة التابعين بالقاهرة .
([10]) واعتقاد أن الجماعة غير موجودة الآن اعتقاد فاسد، ومفهوم خاطئ.
والتعليل لاعتقاد عدم وجود الجماعة الآن بعدم اتفاق جميع المسلمين اليوم على إمام واحد بعقد بيعة هو تعليل معلول، حيث لا يلزم من عدم الاتفاق على إمام واحد  عدم وجود جماعة المسلمين، ذات الولاية ببيعة شرعية، يرجع إليها ، ويحرم الخروج عليها.
([11]) انظر منهج الجمعية ، للدعوة والتوجيه ، (جمعية إحياء التراث الإسلامي) في الكويت ، ط2/ عام 1417هـ،  ص45، س 9وما بعده .
     قلت: ولكن هذا الإمام العام غير موجود ، إلا في الذهن، ولا ينبغي أن يشتبه علينا وجود الذهن بوجود العين، فنظنهما واحداً، فتخلط علينا البدعة بالسنة، ولا نميز بينهما، إذ وجود الذهن ، لا حقيقة له فيما خرج عن الذهن. وما أقرب هذا الطرح من هؤلاء بالإمام المنتظر عند الذين ينتظرونه!
([12]) وسبق قبل قليل سياق عبارتهم في ذلك.
([13]) قلت : ألا يعتبر هذه التأصيل الفاسد دعوة إلى التفرق، لأنه دعوة إلى جماعات متعددة الأهواء متباينة الآراء ، متضادة متناحرة فيما بينها، كل واحدة لا تتفق مع الأخرى، بل تبدعها أو تفسقها أو تكفرها، لأن فيها الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية، والصوفية والخوارج، والجبرية والمرجئة، وكلها متناقضة متضادة في مناهجها وعلومها وتصوراتها، متباينة في مقاصدها ومراداتها، متفرقة في دعواتها، والقول بأنها متفقة باطل في الواقع،  ولفظ خبر الرسول r  يرد ذلك  كما جاء عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَامَ فِينَا فَقَالَ : "أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَة". أخرجه أحمد في المسند (4/102)، و أبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة، حديث رقم (4597)، والآجري في الشريعة (الطبعة المحققة) (1/132، تحت رقم 31). وصحح إسناده محقق جامع الأصول (10/32)، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (204)، وذكر جملة من الأحاديث تشهد له. وأشار في نظم المتناثر ص32-34 إلى تواتره.
فإن قوله : "واحدة،...، وهي الجماعة"، وفي رواية : "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ينافي التعدد المتضاد، فتعين أن تكون الجماعة واحدة، وإن تنوعت في صورها، وتعددت جماعاتها بتعدد الأماكن والأزمان والأجناس، والأحوال، كتعدد جماعاتهم ومساجدهم في الصلاة ، فهم واحد في المنهج والعلم والتصور، وفي النية والعمل والإرادة والغاية، وهم أهل السنة والجماعة.ينظر: التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ، تأليف العلامة عبد العزيز بن ناصر الرشيد ، ط2/ص13 .
لكن مع الأسف ينطلق هؤلاء الدعاة في دعواتهم إلى الله بزعمهم، من تلك  المنطلقات المتفرقة، التي لا ترجع إلى مرجعية تجمعها، وينطلقون من تلك المفاهيم الخاطئة للمراد الشرعي بمفهوم الجماعة، فيأتون إلى الناس من دعواتهم المفارقة بجهالة وبغي ، وبدعة وضلالة، ويسلكون مسلك الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون، كالخوارج المارقة، الذين يفتاتون على أهل الإسلام والسنة، ويحرجونهم بممارساتهم الضالة باسم الإسلام ، والإسلام منها براء ، وباسم السنة والسلفية وليست من منهج أهل السنة والجماعة في شيء.
ومن ذلك المفهوم الفاسد : اعتقد بعض الناس ، أننا في زمان  الاعتزال، الواجب فيه الاعتزال، أخذاً بزعمهم من قوله في حديث حذيفة قال: "قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال r:  فاعتزل تلك الفرقَ كلَّها  ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". انظر : البخاري مع الفتح (13/35).